مصر وتركيا... نذر المواجهة واحتمالاتها

صراع متعدد الجبهات

* تلتزم مصر بنهج معتدل قائم على ما يطلق عليه في الأدبيات السياسية عدم التدخل، والانخراط في عملية طويلة من «بناء القدرات» الذاتية، على مستويات سياسية وعسكرية واقتصادية

* مثلت سياسات تركيا حيال ليبيا نقطة فاصلة في حالة الصراع المصري- التركي، وتسارع احتمالات أن يتحول إلى مواجهة مباشرة

* دخلت القاهرة وأنقرة في مساجلات قانونية وسياسية عدة بشأن التنقيب في المتوسط، وأعلنت تركيا في فبراير (شباط) 2018 أنها لا تعترف بـ«قانونية اتفاق وقعته مصر وقبرص عام 2013 للتنقيب عن الغاز في شرق المتوسط»،

* تدرك مصر أن ثمة فرصًا لتأمين مصالحها إذا ما تحركت وفق مبدأ «مكسب للجميع»، وعززت من قدرتها العسكرية وذلك على نحو يؤمن حقوقها الاقتصادية

* تنظر تركيا إلى مصر بحسبانها حجر عثرة أمام مشروعها التوسعى القائم على «خلخلة» بنية المنطقة العربية واستغلال حالة الفوضى الأمنية التي تشهدها العديد من دولها

  

أنقرة: تتعدد جبهات الصراع المصري- التركي، وتشمل مستويات مختلفة. يرتبط البعض منها بطبيعة هوية النظامين الحاكمين في البلدين ورؤيتيهما لطبيعة أدوار دولتيهما، ويرتبط البعض الآخر بتباين أنماط سياستهما الإقليمية والدولية، وأدوات التحرك الخارجية وأهدافها وماهية الخطاب السياسي والدبلوماسي المصاحب لها.

تلتزم مصر بنهج معتدل قائم على ما يطلق عليه في الأدبيات السياسية عدم التدخل، والانخراط في عملية طويلة من «بناء القدرات» الذاتية، على مستويات سياسية وعسكرية واقتصادية. فيما يقوم نهج التحرك التركي على استعراض القوة والتدخل المباشر في الصراعات الإقليمية، والتزام صف الجماعات الراديكالية، طالما تحقق الطموح التركي وأهداف سياساتها الاقتصادية والعسكرية.

وقد تجنبت مصر اتباع مثل هذه السياسات وتفادت الصدام، رغم أن تركيا تبنت توفير كل العوامل اللازمة لتأجيجه، بيد أن بلوغ التهديد التركي الحدود المصرية ذاتها دفع بتغير المعادلة وطبيعة الخطاب المصري وأنماط الاستجابة الممكنة، سيما بعد أن تمادت القيادة التركية في إثارة التوترات لتهديد المصالح المصرية، فقد تواصلت مع إثيوبيا ووقعت معها اتفاقات عسكرية، ودعمت حركة حماس، وجماعات إرهابية استهدفت الأمن المصري عبر الحدود الغربية والشرقية، كما كانت لها محاولات سابقة عبر السودان إبان حكم عمر البشير، كما استضافت، منذ سنوات، عناصر من جماعة الإخوان الإرهابية المطلوبين لسلطات التحقيق المصرية.

مثلت سياسات تركيا حيال ليبيا نقطة فاصلة في حالة الصراع المصري- التركي، وتسارع احتمالات أن يتحول إلى مواجهة مباشرة، ذلك أن تركيا لم تكتف بدعم الجماعات الإرهابية على الساحة الليبية، وإنما عملت على نقل أكثر من 15 ألف مقاتل يرتبطون بجماعات راديكالية سورية إلى الأراضي الليبية، ودعمتهم بالسلاح وحاولت شرعنة وجودهم، بما مثّل تحولا نوعيا في مسار التهديدات المستقبلية التي يمكن أن تشكلها الأراضي الليبية للدولة المصرية حال ما اقتربت مثل هذه الجماعات الإرهابية من الحدود المصرية.

 

تطورات خطرة

شملت التهديدات التركية أيضًا تحركات عسكرية خطرة، سواء من خلال تمركزات عسكرية مكثفة في مناطق عدة، عبر شرق المتوسط، أو من خلال إعلان التنقيب عن الغاز قبالة السواحل الليبية بموجب اتفاق مع حكومة الوفاق أو عبر تمركزات بحرية عسكرية بالقرب من الحدود المصرية.

وقد جابهت مصر سياسات تركيا، وأعلنت عبر صيغ شتى استعدادها لارتدادات ذلك، وأوضحت أن ثمة «تداخلا» بين إحدى المناطق الاقتصادية الخالصة التابعة لها مع خطط تركيا للمسح السيزمي (الذي يسبق التنقيب) في مياه المتوسط. وأبدت الخارجية المصرية، في بيان لها، اعتراضها على «الإنذار الملاحي الصادر من تركيا بقيام إحدى سفنها بأعمال مسح سيزمي في الفترة من 21 يوليو (تموز) الماضي إلى 2 أغسطس (آب) الحالي».

في هذا السياق، قال المتحدث باسم الخارجية المصرية، المستشار أحمد حافظ، إن القاهرة ترى أن هناك «تداخلاً في النقطة رقم (8) الواردة بالإنذار الملاحي (التركي) مع المنطقة الاقتصادية المصرية الخالصة». ولفت، إلى أن «ذلك الإجراء التركي لا يتفق مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ويخالف أحكام القانون الدولي، بل يشكل انتهاكاً واعتداءً على حقوق مصر السيادية في منطقتها الاقتصادية الخالصة في البحر المتوسط، وأنها لا تعترف بأي نتائج أو آثار قد تترتب على العمل بمنطقة التداخل».

ونوّه المتحدث باسم الخارجية المصرية، أن مصر «أودعت إعلاناً لدى الأمم المتحدة بشأن ممارسة مصر لحقوقها في المياه الاقتصادية الخالصة، وفق المادة 310 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار في 11 يوليو 1983». وتمثل «النقطة رقم 8 المشار إليها آخر نقطة في الحدود بين مصر وقبرص».

لذلك فإن إعلان الخارجية المصرية يمثل محاولة لإثبات حقوق راسخة وقائمة بالفعل في مواجهة أي محاولات محتملة للتنقيب في نطاق حدودها البحرية، ذلك أن عدم إعلان الاعتراض، وإن كانت عمليات التنقيب لم تنفذ بعد، قد يفسر بحسبانه عدم ممانعة أو موافقة ضمنية، وبالتالي فإن القاهرة كان من الضروري أن تعلن ذلك الموقف.

يتسق موقف مصر في ذلك مع ما كان قد أعلنه الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في يناير (كانون الثاني) 2018، حينما أشار في مؤتمر «حكاية وطن»، إلى أن «التسليح الجيد للجيش المصري ساعد في تأمين حقول الغاز التي تبعد نحو 200 كيلومتر عن الشواطئ»، كاشفاً أن «هناك من حاول استفزازنا في تلك المنطقة، لكننا كنا موجودين بقواتنا».

وقد دخلت القاهرة وأنقرة في مساجلات قانونية وسياسية عدة بشأن التنقيب في المتوسط، وأعلنت تركيا في فبراير (شباط) 2018 أنها لا تعترف بـ«قانونية اتفاق وقعته مصر وقبرص عام 2013 للتنقيب عن الغاز في شرق المتوسط»، فيما شددت القاهرة حينها على أن «الاتفاقية لا يمكن لأي طرف أن ينازع في قانونيتها، وهي تتسق وقواعد القانون الدولي، وتم إيداعها بصفتها اتفاقية دولية في الأمم المتحدة». كما ترفض مصر واليونان وقبرص ودول عدة، الاعتراف بمذكرات تفاهم وقّعتها تركيا مع حكومة الوفاق بشأن ترسيم الحدود البحرية.

جاء الموقف المصري متصاعد الحدة حيال السياسات التركية في أعقاب سياسات حازمة تبنتها أيضا الولايات المتحدة إلى جانب العديد من البلدان الأوروبية حيال سياسات فرض الأمر الواقع من قبل الحكومة التركية فيما يخص عمليات التنقيب قبالة سواحل اليونان، وذلك بعد أن أعلنت اليونان عن «خطوط حمراء»، وبدت الأمور مرشحة للتصادم المباشر. وقدّرت «هيئة المسح الجيولوجي الأميركي»، في عام 2012 أن «احتياطيات الغاز الطبيعي الموجودة بالبحر المتوسط بين 340 إلى 360 تريليون قدم مكعبة من الغاز».

لذلك، تدرك مصر أن ثمة فرصًا لتأمين مصالحها إذا ما تحركت وفق مبدأ «مكسب للجميع»، وعززت من قدرتها العسكرية وذلك على نحو يؤمن حقوقها الاقتصادية. وبناء على ذلك سعت القاهرة بإعلانها الأخير إلى تحقيق ثلاثة أهداف، حسب اتجاهات مصرية رائجة، تمثلت في «التسجيل، والإخطار، والردع»، ذلك أن الدبلوماسية المصرية سجلت موقفاً دولياً علنياً معارضاً لخطط التنقيب التركية، كما أخطرت أنقرة بذلك عبر الإعلان، وأخيراً فإن الردع تمثل في الإشارة إلى أن خطط التنقيب المرتقبة ستمثل اعتداءً وانتهاكاً للحقوق السيادية، وهو ما يعني عند تحليل هذا الخطاب أن مصر لن تصمت على ذلك حال حدوثه.

 



الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (يمين) ورئيس حكومة الوفاق الليبية فايز السراج (يسار) خلال مؤتمر صحافي مشترك في المجمع الرئاسي في أنقرة يوم 4 يونيو 2020

حسابات التصعيد التركي

تنظر تركيا إلى مصر بحسبانها حجر عثرة أمام مشروعها التوسعى القائم على «خلخلة» بنية المنطقة العربية واستغلال حالة الفوضى الأمنية التي تشهدها العديد من دولها، لتتوسع وتنشر قوات موالية لها من «المرتزقة» والجماعات الجهادية التي نسجت علاقات قوية معها ووظفتها لدعم تمركزاتها على الساحتين السورية والعراقية، لتمتد توسعاتها وتمركزاتها العسكرية من الصومال إلى اليمن وليبيا أيضا، وهي تصوغ مشروعا توسعيا شبيها بـ«المشروع الإيراني»، ولكنه قائم على دعم الجماعات الراديكالية السنية.

ويعكس الصراع المصري- التركي صراعا آخر على المستوى الإقليمي بين «قوى الاعتدال»، و«نظم التطرف»، ففيما يقف في مواجهة سياسات تركيا دول مثل السعودية والإمارات ومصر، فإن قطر أسست تحالفا مع تركيا متعدد المستويات شمل إقامة قاعدتين عسكريتين  تركيتين في الدوحة، كما تضمن ذلك دعما مشتركا لجماعات إرهابية استهدف أمن العديد من الدول العربية المجاورة.

وقد أحبطت المواقف المصرية السياسات التركية التي كانت تستهدف التحرك على مستويين أحدهما يتعلق بالعمل على التصعيد في شرق المتوسط والآخر على الساحة الليبية عبر التمدد تدريجيا للوصول إلى الحدود المصرية. وتعمل تركيا على دعم حكومة الوفاق من أجل السيطرة على منشآت النفط الليبية، التي لا تزال تحت سيطرة الجيش الوطني الليبي. وتسعى كذلك من أجل تحصيل فوائد اقتصادية ضخمة عبر علاقاتها بحكومة فايز السراج، سيما فيما يخص الدعم المالي ومصادر الطاقة، ذلك أنها تفتقر إلى موارد الطاقة الخاصة.

وتسعى أنقرة أيضا إلى ضمان عقود مربحة للشركات التركية للمساعدة في إعادة إعمار ليبيا. فمؤخرا  قال وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي فاتح دونميز إن تركيا قد تبدأ التنقيب عن النفط في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​في غضون ثلاثة أو أربعة أشهر «في إطار الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين البلدين».

وتشير كافة المعطيات إلى أن تركيا تمتلك خططا طويلة المدى للبقاء في ليبيا، وربما يفسر ذلك التجهيزات العسكرية التي تقوم بها. فقد شرعت مؤخرا في إنشاء قواعد عسكرية داخل الحدود الليبية، إحداها بحرية في مصراتة، والأخرى جوية في «الوطية»، تم استهدافها من «طائرات مجهولة» في يونيو (حزيران) الماضي، وذلك لضمان بقاء التحرك التركي ضمن حدود لا يُسمح بتجاوزها.

ويمكن القول إن حسابات الموقف التركي ترتبط بعدد من المحددات من أبرزها أن تركيا ترى أن الفواعل الرئيسية على مسرح العمليات الليبي ترتبط بالمواقف الأميركية والروسية، وفيما تسعى إلى أن تلعب دور «الوكيل» عن واشنطن في ليبيا لموازنة الدور الروسي، فإنها على جانب آخر تعمل على عقد صفقة مع موسكو شبيهة بما توصلت إليه معها من توافقات في سوريا، بيد أن التحرك في «المناطق الرمادية» لم يحقق الأهداف التركية، سيما بعدما عملت واشنطن وموسكو معاً على «تسكين» الصراع ولو مؤقتاً.

مقابل ذلك، تتأسس قناعة تركيا فيما يخص تحركاتها على الساحة الليبية على مجموعة تيارات راديكالية ترتبط بمجموعات محيطة بالقيادة التركية، وتحاول الترويج لها عبر وسائل الإعلام، وتقوم على إنكار الارتباط بين الأمن القومي المصري وسياسات تركيا في ليبيا، وتشير دائمًا إلى أن التهديد الذي تجابهه مصر يرتبط بـ«سد النهضة» وليس بوجود تركيا في ليبيا وتدخلها في الصراع.

وتعتبر تركيا أن الساحة الليبية باتت محور الاهتمام الإقليمي والدولي، ومن ثم فإن الصراع فيها تتأسس أهميته على أن ارتداداته ستؤثر مباشرة على مجمل التوازنات الإقليمية ووضعية تركيا ومصالحها الإقليمية والدولية. وتعتبر حسب بعض الكتابات المحسوبة على حزب العدالة والتنمية الحاكم أن مصر ستتجنب خوض «مغامرات» غير محسوبة في ليبيا، بسبب الخبرات السابقة الناتجة عن التجربة اليمنية، وهي رؤى لا تأخذ في اعتبارها طبيعة الاختلافات من حيث الموقف الجغرافي وأنماط التهديدات والدافع القتالي في الحالتين فضلا عن بيئة العمليات ومدى انسجامها مع بيئة التحرك العسكري المصري التقليدية، وأنماط القدرات العسكرية التي باتت تمتلكها مصر، هذا إضافة إلى توازن علاقاتها الدولية وتنوع مصادر تسليحها.  

 



دوريات حربية تركية بالقرب من سفينة تنقيب تركية شرق البحر المتوسط بالقرب من قبرص 2019 (أ.ف.ب)

الحسابات المصرية

وافق مجلس النواب المصري على إرسال عناصر من القوات المسلحة المصرية في مهام قتالية خارج الحدود للدفاع عن الأمن القومي المصري. وجاء في بيان صدر عن البرلمان أن المجلس وافق بالإجماع على إرسال عناصر من القوات المسلحة المصرية في مهام قتالية خارج حدود الدولة المصرية للدفاع عن الأمن القومي في الاتجاه الاستراتيجي الغربي ضد أعمال الميليشيات الإجرامية المسلحة والعناصر الإرهابية الأجنبية.

وقال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يوم 20 يوليو (تموز) الماضي، إن قراراً برلمانياً صدر بالموافقة على مهام قتالية خارج حدود البلاد، وإن تدخلا مصريا في ليبيا بات يتمتع بـ«الشرعية الدولية». وذلك بعد أن أعلن السيسي أن سرت- الجفرة «خط أحمر» لن تسمح مصر بتجاوزه. كما دعا السيسي إلى تسليح القبائل الليبية في المنطقة لوقف الجماعات المدعومة من تركيا.

وفي مقابل الدعم التركي للجماعات الإرهابية، عملت مصر على التحرك على مستويات متعددة شملت التنسيق مع الأطراف الدولية المعنية والمعارضة للسياسات التركية، كروسيا واليونان وفرنسا وقبرص، وسعت أيضا إلى تبني مبادرات بعضها لم يُعلن عنه بعد، يتعلق بتعظيم أدوار «منتدى شرق المتوسط»، ليضطلع بأدوار قد تتجاوز حدود التنسيق والتشاور ليغدو أكثر فاعلية في ضبط وتيرة التفاعلات في المتوسط على أن تتسع عضويته ليشمل قوى دولية معنية بقضايا الأمن والطاقة في شرق المتوسط.

كما عملت القاهرة على جانب آخر، على تعزيز علاقاتها مع «معارضي» السياسية التركية من دول ومجموعات وذلك على نحو استهدفت منه رفع تكلفة التحركات التركية. هذا إلى جانب العمل بتناغم وتنسيق مع شركاء مصر الإقليميين ممثلين في كل من دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية ومملكة البحرين. وعملت القاهرة على جانب آخر على محاولة التحرك على أرضية مشتركة مع كل من تونس والجزائر والسودان، وسعت إلى جعل الاتحاد الأفريقي جزءا من النطاق الحيوي لحركتها الدبلوماسية والسياسية فيما يخص قضايا ليبيا.

وفي 21 يوليو 2020 ، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع العاهل السعودي، أعقبه سيل من النشاط الدبلوماسي السعودي في المنطقة. وكان وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان قد زار الجزائر وتونس والمغرب بعد زيارة قام بها إلى القاهرة في 27 يوليو الماضي حيث اكد دعم السعودية لمصر.

المباحثات التي أجراها الرئيس السيسي مع الملك سلمان بن عبد العزيز جاءت بعد يوم واحد من إقدام مصر على تعزيز تمركزات الجيش عبر الحدود على الجبهة الغربية لمواجهة «الميليشيات المسلحة الإجرامية والعناصر الإرهابية الأجنبية»، بعد عدم استجابة الميليشيات الليبية لمبادرة القاهرة لإحلال السلام في ليبيا والتي أطلقها السيسي في 6 يونيو 2020، وذلك من أجل وقف إطلاق النار في ليبيا.

وتعمل العديد من القوى الدولية في الوقت الراهن على «تجميد» الصراع  (الليبي- الليبي) وإجراء مباحثات ومفاوضات غير معلنة بهدف تفادي صراع قد لا يقتصر على أطراف ليبية أو حتى قوى إقليمية وإنما قد تتسع دائرته تدريجيا، بما يعني تخفيض منسوب حدة المواجهة المصرية- التركية، ومع ذلك فالتوترات تتخذ أبعاداً جديدة مع تنامي التهديدات التركية. وتتحرك مصر في هذا السياق وهي تدرك أن أنقرة باتت عبئا على القوى الغربية على النحو الذي دفع بعض الدبلوماسيين الأوروبيين إلى وصف تركيا بأنها غدت بمثابة «فيل في غرفة الناتو»، وبحسب صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، فقد أصبح بعض سفراء حلف الناتو ينظرون إلى سلوك تركيا في الفترة الأخيرة على أنه «تحدٍ غير مسبوق للقيم الديمقراطية للحلف وأطر دفاعه الجماعي».

وفي شهر يونيو الماضي، حدثت مواجهة بين فرقاطة فرنسية وسفينة تركية تهرب أسلحة إلى ليبيا منتهكة بذلك الحظر الذي تفرضه الأمم المتحدة، وكادت أن تتحول هذه المواجهة إلى احتكاك عسكري مباشر بين البلدين العضوين في حلف الناتو، لولا انسحاب الفرقاطة الفرنسية. وقد وقعت مواجهة مماثلة بين تركيا وعضو آخر في الناتو قبل أسبوعين فقط، عندما حلقت الطائرات الحربية التركية فوق منطقة بالقرب من جزيرة رودس اليونانية بعد أن حذرت السفن الحربية اليونانية من نية تركيا للتنقيب عن الغاز الطبيعي داخل المياه الاقتصادية اليونانية.

وأشار تقرير لـ«نيويورك تايمز» إلى أن سلوكيات تركيا أصبحت أكثر عدوانية وتتعارض على نحو متزايد مع حلفائها الغربيين، خاصة في القضايا المتعلقة بليبيا وسوريا والعراق وروسيا وموارد الطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط. فيما قال فيليب غوردن، مستشار السياسة الخارجية الأميركية ومساعد وزير الخارجية السابق الذي تعامل مع تركيا خلال إدارة أوباما: «من الصعب وصف تركيا بأنها حليف للولايات المتحدة».

وقال أستاذ الدبلوماسية العملية والسياسات الدولية في كلية كنيدي، إن سلوكيات تركيا تعطل أعمال الحلف وخططه الأساسية، مضيفًا: «لقد عرقلت أنقرة شراكات الحلف مع الإمارات ومصر وأرمينيا بسبب خلافها معهم». وأضاف: «الأخطر من ذلك أن تركيا منعت خطة الناتو للدفاع عن بولندا ودول البلطيق، التي تحدها روسيا. وسعت جاهدة لدفع الحلف لتصنيف مختلف الجماعات الكردية المسلحة، التي حاربت من أجل استقلالها، كمجموعات إرهابية، وهو أمر لن يفعله الناتو. فبعض هذه الجماعات الكردية هي أفضل حلفاء واشنطن في حربها ضد تنظيمي داعش والقاعدة في سوريا والعراق».

تشير هذه المعطيات إلى أن تركيا التي يشتد صراعها مع مصر تتحول في ذات الوقت إلى عبء على مصالح العديد من القوى الدولية. وتسعى مصر إلى توظيف ذلك دبلوماسياً وسياسياً، من دون أن يؤدي ذلك إلى تخفيض درجة استعدادها على مختلف المستويات لمجابهة التهديد التركي إذا ما تعاظم، وحاولت تركيا استنساخ سياساتها التقليدية بـ«فرض الأمر الواقع»، حيث إن مصر- وفق أغلب المؤشرات- قررت مواجهة المشروع التركي عبر مختلف الأدوات واستعدت من أجل ذلك لكافة الاحتمالات.

 



الرئيس عبد الفتاح السيسي يتفقد الوحدات المقاتلة في المنطقة العسكرية الغربية في سيدي براني في مرسى مطروح