جهاد أزعور: الإيرادات النفطية انخفضت بنحو 270 مليار دولار

«المجلة» تحاور مدير إدارة الشرق الأوسط في صندوق النقد الدولي

* نسب النمو ستكون سلبية بمعدل 7.3 % للعام الحالي... والاستقرار عامل أساسي لجذب الاستثمارات الأجنبية

* على دول المنطقة الاستثمار في القدرات البشرية... وعام 2020 يشكل تحدياً كبيراً للاقتصاد العالمي

* نحن اليوم في مرحلة ترقب، نظراً لعدم معرفة كيفية إدارة هذه الجائحة، إن لجهة استمرارها أو خطر عودتها

* يجب النظر في آليات التعاون والتنسيق العربي، نظرا للانعكاسات الإيجابية التي يمكن أن تتأتى من ذلك، وخصوصاً مع تحول الاقتصاد العالمي وهذا التحول سيكون عميقاً وبعيد المدى

* النهوض يحتاج منظومة اجتماعية تتخطى الدعم وتكون أحد العناصر الأساسية لبناء مجتمع أكثر تعاضدا لتخفيف التفاوت الاجتماعي، وتعزيز الاستثمار البشري

بيروت: تعرضت منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وأفريقيا لصدمتين كبيرتين تعزز كل منهما آثار الأخرى، فإلى جانب الآثار المدمرة على صحة الإنسان، تتسبب جائحة كوفيد-19 والهبوط في أسعار النفط في حدوث اضطراب اقتصادي كبير بالمنطقة من خلال صدمات العرض والطلب المتزامنة. وكانت معظم بلدان المنطقة تقريبا قد أبلغت عن حالات إصابة مؤكدة بفيروس كورونا، كما هبطت أسعار النفط بأكثر من 50 في المائة منذ بداية العام الجاري.

وتسببت الجائحة في حدوث اضطرابات حادة وخسائر اقتصادية فادحة، مما أثر على القطاعات ومؤسسات الأعمال الغنية بالوظائف: فقد أدت إجراءات الاحتواء في الاقتصادات الرئيسية وأهم البلدان الشريكة تجاريا إلى تخفيض الطلب الخارجي بشدة، وقد أثر تباطؤ النشاط العالمي الناجم عن ذلك على المنطقة، وعلى قطاعات التجزئة والصناعات التحويلية الغنية بالوظائف، فضلا عن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. وفي الوقت نفسه، فإن الإجراءات الاحتوائية التقييدية التي اتخذتها حكومات المنطقة والمخاوف من الإصابة بالعدوى حدت من طلب المستهلكين، لا سيما في قطاعات السياحة والضيافة والتجزئة. وفي الوقت ذاته، ازدادت حدة تضييق الأوضاع المالية العالمية، مما زاد من التحديات أمام المنطقة...

«المجلة» حاورت مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، حول نظرة الصندوق للأوضاع الاقتصادية والمالية والاجتماعية في المنطقة وما هي التدابير التي اتخذت والتي ستتخذ للحد من الانعكاسات السلبية على دول المنطقة والمشاكل التي تواجهها، إذ هو شغل منصب وزير المال في لبنان من عام 2005 وحتى 2008، وهي الفترة التي قام خلالها بتنسيق تنفيذ مبادرات مهمة للإصلاح، منها تحديث النظم الضريبية والجمركية اللبنانية، وفي الفترة السابقة على عمله وزيرا للمال ثم الفترة اللاحقة لها، تولى عدة مناصب في القطاع الخاص، منها عمله في شركة ماكينزي وبوز آند كومباني، حيث كان نائبا للرئيس والمستشار التنفيذي الأول. وقبل انضمامه إلى الصندوق في مارس (آذار) 2017، كان مديرا شريكا في شركة إنفنتيس بارتنرز للاستشارات والاستثمار.

* بدأنا الحوار بسؤال يتعلق بنظرته لوضع المنطقة في ظل انتشار جائحة كورونا، وانخفاض أسعار النفط والشلل الاقتصادي، وما هي التأثيرات السلبية على الدول المصدرة للنفط والمستوردة؟

- شكلت جائجة كورونا التي تضاعفت بسبب تراجع أسعار النفط وتراجع الطلب إلى انعكاسات سلبية على دول المنطقة، ولم توفر أي بلد سواء كان مصدرا أو مستوردا للنفط، ونحن اليوم في مرحلة ترقب نظراً لعدم معرفة كيفية إدارة هذه الجائحة إن لجهة استمرارها أو خطر عودتها، لهذه الأسباب قمنا بمراجعة توقعاتنا لهذا العام للمرة الثانية بالتخفيض، وأتوقع أن يكون النمو سلبيا سواء للدول المصدرة أو المستوردة، وهي تشكل أكبر نسبة تراجع للنمو الاقتصادي.

في المقابل سارعت دول المنطقة باتخاذ الإجراءات الصحية والعملانية لتلبية حاجات المواطنين، واعتمدت معايير عالية تتعلق بالتباعد الاجتماعي وغيرها من الإجراءات، مما ساهم في تخفيض نسب التفشي، وإذا قارنا المنطقة مع أوروبا والولايات المتحدة نرى أن عدد الوفيات في المنطقة أقل بكثير من تلك الدول، رغم التفاوت الكبير الموجود في الأنظمة الصحية والرعاية الاجتماعية.

وإذا نظرنا بالتفصيل، فسنرى أن الدول المصدرة للنفط ستتأثر بدرجة أكبر هذا العام نظراً لانخفاض الإيرادات النفطية بنحو 270 مليار دولار مقارنة مع العام الماضي، لذلك ستكون نسب النمو سلبية بمعدل 7.3 في المائة للعام 2020. وهو تراجع كبير لم تشهده الدول المصدرة للنفط في السنوات الأخيرة. أما بالنسبة للدول المستوردة فسيكون هناك تراجع للحركة الاقتصادية، وهذا التراجع سيكون مختلفا بحسب أوضاع البلدان وحسب نسب النمو التي كانت متوقعة لهذا العام.

وفي المحصلة فإن عام 2020 يشكل تحديا كبيرا للاقتصاد العالمي وأيضا لدول المنطقة، مع أن دول المنطقة اتخذت مجموعة من الإجراءات المكملة للإجراءات الصحية لحماية الوضع الاقتصادي من خلال إجراءات مالية ونقدية ومن خلال ضخ السيولة لتخفيف الانعكاسات السلبية التي نجمت عن هذه الأزمة المزدوجة.

 

إجراءات صندوق النقد

 

* هل الإجراءات التي اتخذها صندوق النقد الدولي كانت كافية لامتصاص الانعكاسات السلبية؟

- لقد بادر الصندوق إلى إطلاق حزمة من المبادرات، أولها تأمين تمويل سريع لمواجهة الجائحة بقيمة 100 مليار دولار لدول العالم، واستفاد من هذه المبادرة نحو 70 دولة واستفادت 15 دولة من دول المنطقة من هذه التسهيلات، وبلغت نسبة التمويل المعادة لها نحو 17 مليار دولار، وهذا الدعم يهدف إلى تمكين الدول من الإنفاق على الشؤون الصحية والإنسانية لحماية حياة المواطنين، إضافة إلى ذلك قام الصندوق بتأمين الدعم بما يتعلق بالسياسات الاقتصادية لمساعدة الدول من أجل وضع الأطر والإجراءات الاقتصادية والمالية لمواجهة تداعيات أزمة كورونا، وهناك تواصل مستمر مع كل المسؤولين في المنطقة للوقوف على أولويات وحاجيات هذه الدول وكيفية دعمها لتمكينها من وضع السياسات التي تساهم في تخفيف الأعباء الاقتصادية والاجتماعية، وأيضا للتحضير لعمليات العام المقبل، وهناك مسار آخر قام به الصندوق وهو التعاون مع المؤسسات الإقليمية والمؤسسات العربية والصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والبنك الإسلامي للتنمية، بالإضافة إلى المؤسسات الدولية مثل البنك الدولي والبنك الأوروبي من أجل توحيد الجهود لرفع مستوى الدعم والتكامل مع برامج المؤسسات الأخرى، إضافة إلى ذلك ساهم الصندوق ومجموعة دول الـ20 التي تترأسها هذا العام المملكة العربية السعودية لتطوير مبادرة أطلقتها المملكة من أجل تخفيف الأعباء عن الدول الأكثر فقرا لدعمها في هذه الفترة لمواجهة جائحة كورونا، وقام الصندوق بتوفير منح للدول التي لم يكن باستطاعتها سداد الديون والمستحقات، واستفادت اليمن التي تعاني من مصاعب عدة من هذه المنح، ويعمل الصندوق حاليات على التحضير للمرحلة المقبلة التي تتم على مسارين.

أولا: استمرار تأمين الحماية للمواطنين اجتماعياً وإنسانياً.

ثانيا: مساعدة الدول في عملية النهوض الاقتصادي بعد جلاء هذا الوباء.

 

 

الاشتباك السياسي والأضرار

* ما حجم الأضرار الناجمة عن استمرار الاشتباك السياسي والأمني بين بعض دول المنطقة على الصعيد الاقتصادي، خصوصا بالنسبة للقطاع الخاص؟

- إن التحديات الاقتصادية التي تعانيها بعض الدول لجهة ارتفاع المديونية العامة والتباطؤ الاقتصادي وارتفاع نسب البطالة تشكل تحديات لهذه الدول التي تعيش في ظروف صعبة ناهيك عن تردي البنية التحتية الاقتصادية نظرا لوجود عدد كبير من النازحين والمهجرين الذين يعيشون في ظروف صعبة خصوصا في سوريا وليبيا والعراق، فاستمرار هذه الاشتباكات تشكل عنصر ضغط إضافيا على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي بعد ارتفاع منسوب التشنج الاجتماعي في عدد من الدول، لذلك من الضروري العمل على عدة مسارات.

أولا: المسار الإنساني، يجب مساعدة هذه الدول على تحسين البنية التحتية الصحية نظرا لتفاوت هذه البنية، وعلى سبيل المثال اليمن؛ فالمؤشرات الطبية والصحية متراجعة جدا لجهة عدد الأسرّة للمواطنين وعدد الأطباء والمطلوب تأمين الدعم لهذه الدول لرفع مستوى الكفاءة الصحية ولتعزيز الإنفاق الاجتماعي نظرا للحاجات الإضافية التي برزت مع تفشي كورونا مثل التعليم عن بعد، فهو يشكل خطرا لعدد من هذه المجتمعات ولا سيما عدم تمكن عدد كبير من الطلاب من الحصول على الوسائل التقنية للتحصيل العلمي بعد إقفال معظم المدارس.

ثانيا: تحسين الأوضاع العامة لتشجيع الاستثمار، بعدما شاهدنا العام الماضي تراجعا كبيرا في الاستثمار الخارجي المباشر وخصوصا في الدول التي تعاني من الاضطرابات وعدم الاستقرار.

ثالثا: رفع مستوى التعاون الاقتصادي بين دول المنطقة، لتأمين فرص عمل تساهم في التحويلات لهذه الدول، لأن المستوى الكبير للتحويلات من الخارج بحجم التاريخ المحلي، حيث تصل في بعض الدول مثل السودان إلى 15 و16 في المائة، وهي أرقام عالية جدا، لذا من الضروري أن يكون هناك تخطيط ومقاربة شاملة على صعيد كل بلد وعلى صعيد المنطقة من أجل تخفيف تداعيات هذه الأزمة، وأيضا للعمل من أجل تنشيط الاقتصاد وخلق فرص عمل.

 

التدخلات الخارجية

 

* برايك الشخصي، ما أسباب التدخلات الخارجية في المنطقة، وما أهدافها؟

- باعتقادي أن عامل الاستقرار مهم جدا لتأمين الاطمئنان للمستثمر الخارجي والمحلي لرفع مستوى الاستثمار وخلق فرص عمل، ثانيا: أي عملية ربط اقتصادي وتفعيله وخصوصا في النظام الاقتصادي الجديد ما بعد الجائحة سيكون مقيدا لكل الدول ولا سيما أننا نتجه أكثر وأكثر إلى أشكال جديدة من التعاون الاقتصادي، لذلك يجب أن يكون هناك تعاون أكبر من الجمعية لجهة الأمن الغذائي والصحي حتى يتمكن المواطن في المنطقة من أن يحصل على حاجاته الصحية، إن كل عمل يؤدي إلى تخفيف الاحتقان عن طريق رفع مستوى التعاون لتأمين درجة أعلى من الأمان ينعكس إيجابيا على الحركة الاقتصادية.

 

هل هناك تسرع؟

 

* يلاحظ أن بعض الدول التي سرعت عملية فتح أسواقها لأسباب اقتصادية قبل السيطرة الكاملة على جائحة كورونا بدأت تواجه مرحلة جديدة من هذه الجائحة..

- علينا أن نعترف بأن دول المنطقة قد اتخذت إجراءات حازمة وصارمة لحماية حياة المواطنين، ونجحت بدرجة عالية، والدول التي باشرت باكرا باتخاذ هذه الإجراءات استفادت لجهة تقليص عدد المصابين، وما تعانيه اليوم دول المنطقة تعانيه أيضا دول كثيرة لجهة التوفيق بين تحريك العجلة الاقتصادية والاستمرار في تأمين الحماية للمواطنين، وهذا الأمر نشهده في عدد كبير من دول العالم مثل الدول الأوروبية وبعض دول المنطقة، وهذا تحد يتطلب أولا التزام المواطنين وإجراءات المؤسسات العامة لسد الثغرات التي برزت خلال المرحلة الأولى.

وعلى سبيل المثال هناك بعض الدول ظهر فيها نقص في التجهيزات الصحية، والمفروض سد هذه الثغرات، ويبقى العنصر الأهم وهو اكتشاف اللقاح أو الطعم لعلاج المصابين، وهذا هو الحل الأنسب لاعادة الدورة الاقتصادية للعالم وللمنطقة، وفي انتظار ذلك يجب العمل على ثلاثة محاور:

أولا: الحفظ على حياة المواطنين وسلامتهم من خلال رفع مستوى الإنفاق على المستوى الصحي.

ثانيا: الحفاظ على الوضع المعيشي والإنساني للمواطنين من خلال الاستمرار في بعض الإجراءات التي تم اتخاذها أو لجهة دعم القطاعات الاقتصادية أو دعم التجمعات، هذا مع العلم أن كل دولة تختلف عن الدول الأخرى لجهة النمو الاقتصادي والمخزون المالي اللذين تتمتع بهما بعض الدول.

ثالثا: التخطيط اليوم من أجل الإنعاش الاقتصادي وتحريك العجلة الاقتصادية، وهذا يتطلب النظر ببعض النقاط التي برزت في المرحلة الماضية وعلى سبيل المثال التكنولوجيا التي لعبت دورا كبيرا في إيصال المساعدات لمواجهة الأزمة، ونظرا لطبيعة المجتمع العربي حيث يتشكل ثلثا السكان ممن أعمارهم دون الثلاثين عاما ويمكن الاعتماد على التكنولوجيا كمحفز وقاطرة لعملية النمو، أيضا كل ما له علاقة بتحسين البنى التحتية لإدارة المياه والموارد الطبيعية، هذه الأمور يمكن أن تكون مدخلا لعملية تسريع النمو الاقتصادي، ويبقى الأهم تمكين القدرة البشرية وهنا تبرز أهمية التعليم وأهمية تأهيل الكوادر البشرية لتتكيف مع متطلبات الاقتصاد الجديد. مع الإشارة إلى أن كل هذه الأولويات تتطلب أيضا رفع مستوى الشفافية والإفصاح وإدارة الشأن العام وتخفيض كلفة القطاع العام وجعله أكثر فعالية ومرونة، وأيضا تشجيع القطاع الخاص ليكون القاطرة الأساسية للنمو، وهذا يتم عبر تسريع عملية الإصلاح وتأمين الخدمات العامة في البنية التحتية وتطوير وتشجيع الإجراءات التي تساهم في تحفيز القطاع الخاص.

 

قنبلة البطالة

 

* أليس هناك تخوف بعد هذه الأزمات من «القنبلة الموقوتة» في معظم الدول، وهي قنبلة البطال؟

- لا شك أن هذا الأمر يشكل التحدي الأول والأهم نظرا لطبيعة المجتمع الذي يشكل فيه الشباب أكثر من ثلثي المجتمع ونظرا لوجود كوادر بشرية متعلمة يمكن الاستفادة منها في منطقتنا حيث نسبة البطالة فيها مرتفعة، وهي مشكلة أساسية تعاني منها أكثرية دول المنطقة وليست فقط الدول ذات الدخل المنخفض أو الدول التي تعاني من اضطرابات ونزاعات، وباعتقادي هذا التحدي الأول والهدف الأساسي من عملية النهوض، لذا من الضروري الاستفادة من هذه التجربة الصعبة للتفكير فيما يجب عمله لتنشيط الاقتصاد، وهذا يتم من خلال تحسين كبير في الخدمات العامة والاستثمار في القدرات البشرية وأيضا تفعيل دور المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل الرافعة الاقتصادية في مجتمعنا.

 

الاستحقاقات الدولية

 

* معظم الخبراء والمراقبين يتحدثون عن أن الأوضاع الحالية في المنطقة ستبقى على حالها في الفصل الرابع من السنة، لأن هناك بعض الاستحقاقات الدولية التي ستحدد معالم المرحلة المقبلة، هل تتفقون مع هذا الراي؟

- لا شك أننا اليوم في وضع لا نستطيع تقديم استشارات التفعيل، نظرا لوجود عدة عوامل غير مقروءة، مثلا هل ستكون هناك موجة ثانية لجائحة كورونا أم لا؟ كيف ستكون وتيرة النهوض الاقتصادي العالمي في الفصل الرابع، وتأثير ذلك على أسعار النفط التي تشكل شريانا اقتصاديا حيويا، كل هذه الأسئلة لا توجد لها أجوبة واضحة في الوقت الحاضر، لذا اليوم الكل في حال ترقب والكل ينظر إلى الأولويات من منظار آخر، حيث أصبح من الضروري التخطيط ليس فقط لاقتناص الفرص، بل أيضا لحماية الاقتصاد والمجتمع من أي انتكاسة على الصعيدين الصحي والاقتصادي.

 

الاستثمارات الاجنبية

 

* قبل التطورات الأخيرة كانت الاستثمارات الأجنبية تساهم في تفعيل وتنشيط الاقتصادات في المنطقة، اليوم كل الدول تعاني من عجوزات ومشاكل مالية واقتصادية، إلى أي مدى سيكون تأثير هذا الواقع على اقتصادات المنطقة؟

- هنا أريد أن أضيء على واقع، وهو أن الاستثمار الخارجي المباشر تراجع منذ الأزمة المالية العالمية سنة 2008، ولم تتمكن دول المنطقة نظراً للتحولات التي حصلت في العقد الماضي من رفع وتيرة الاستثمار الخارجي المباشر، وهذا التحدي سيكون أكبر بعد هذه الأزمة نظرا للتراجعات الاقتصادية التي تشهدها الدول الكبرى والأكثر تطورا، في مقابل ذلك شهدت المنطقة خلال السنوات الخمس الماضية ارتفاعا كبيرا في التحويلات المالية من خلال الاستثمار في السندات والأدوات المالية حيث أصبحت دول المنطقة من أكثر الدول فعالية في الإصدارات على الأسواق المالية العالمية، وقد شهدنا في المرحلة الماضية، أي بعد مرحلة الجائحة تراجعا في التحويلات أو الاستثمارات وخروج بعض رؤوس الأموال ثم شهدنا عودة تدريجية لدول مثل المملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين ومصر والأردن إلى الأسواق العالمية، وهو تطور إيجابي يسمح لها بالاستفادة من السيولة المرتفعة في الأسواق المالية العالمية، لكن ذلك لا يكفي نظراً لأهمية الاستثمارات المباشرة في الاقتصاد وتفعيله في المنطقة.

 

عملية النهوض

 

* كيف ننظر إلى عملية النهوض في المنطقة في المرحلة المقبلة

- هناك نقطتان، الأولى تكمن في ضرورة النظر في آليات التعاون والتنسيق العربي، نظرا للانعكاسات الإيجابية التي يمكن أن تتأتى من ذلك، وخصوصا مع تحول الاقتصاد العالمي وهذا التحول سيكون عميقا وبعيد المدى ويتطلب من كل الدول أن تكون مبادرة لفهم هذا التحول وهذه التحديات، وأيضا للتكيف السريع مع هذه التحويلات ودول المنطقة التي كانت قد عانت في السنوات الأخيرة من ضعف النمو ولم تساهم في خلق فرص عمل مطالبة اليوم بالمقاربة الشاملة والمشتركة لهذه التحديات وبناء استراتيجية وتنسيق وتفاعل وتبادل اقتصادي واستثماري أكبر، على سبيل المثال إذا أخذنا دول المغرب العربي أقل دول العالم اندماجا رغم التقارب الكبير اجتماعياً وجغرافياً ولغوياً.

النقطة الثانية قيام منظومة عربية شاملة ليس فقط لجهة الدعم الاجتماعي، إنما أيضا لبناء ركيزة اجتماعية توازي الركيزة الاقتصادية، عن طريق العمل للتخفيف من حجم الاقتصاد غير الرسمي ومن خلال رفع مستوى الحماية للضمان الاجتماعي للعاملين ومن خلال استثمار أكبر في أنظمة التعليم والطبابة لتشكل العنصر الأساسي لبناء وتعزيز القدرات، إن عملية النهوض تتطلب بناء منظومة اجتماعية فاعلة تتخطى عملية الدعم وتكون أحد العناصر الأساسية لبناء مجتمع أكثر تعاضدا لتخفيف التفاوت الاجتماعي الكبير وأيضا لتعزيز الاستثمار في الرأسمال البشري الذي يشكل الرأسمال الأول والتحدي الأول نظرا لارتفاع نسب البطالة والتشنجات الاجتماعية والسياسية والرأسمال الأول نظرا لكون المجتمع العربي مجتمعا فتيا وبالتالي فإن مواطنيه دون الثلاثين عاما، واليوم هناك مناسبة للتفكير الجديد والعميق لمواجهة التحديات.