أزمة كورونا وغسل الأموال: انتعاش أم تباطؤ؟

أمين عام لجنة الإعلام والتوعية المصرفية بالبنوك السعودية لـ«المجلة»: النظام المصرفي السعودي من بين أقوى الأنظمة المصرفية على مستوى العالم في مكافحة غسل الأموال

* العقول المدبرة لعمليات غسل الأموال، تتمتع بقدرات ومرونة هائلة على التكيف مع مختلف الظروف الاقتصادية، إلى جانب استغلال ذعر الناس من الجائحة وتسويق الوهم
* يعرف غسل الأموال أو تبييض الأموال أو تنظيفها بأنه إخفاء مصدر وحقيقة الأموال الناتجة عن طريق كسب غير مشروع

جدة: أواخر شهر يوليو (تموز) الماضي، تفجرت فضيحة مالية في الكويت تحدثت عنها وسائل الإعلام المحلية والسعودية والخليجية، إثر قيام 10 من كبار نجوم وسائل التواصل الاجتماعي في الكويت بغسل أموال عبر صفقات متنوعة، شملت شراء سلع وسيارات فاخرة بأسعار ضخمة وإعادة بيعها وتحويل الأموال إلى حسابات متنوعة في دول خليجية وآسيوية. وكانت المفاجأة أن وحدة التحريات المالية الكويتية وجهاز أمن الدولة، وجدا أن 23 من مشاهير وسائل التواصل في السعودية، انخرطوا في غسل الأموال، وجرت مخاطبة السلطات السعودية بشأنهم، وفقاً لما ذكرته الزميلة «القبس» الكويتية.
تفتح قضية المشاهير الباب أمام قضية شائكة، تؤرق السلطات الحكومية في السعودية وغيرها من دول العالم، وهي غسل الأموال لصالح جهات مجهولة، سيما أن اللجوء إلى هذه العملية الإجرامية، هو في الأصل للتغطية على مصادر خفية للأموال، تتنوع بين تهريب الممنوعات كالمخدرات والتجارة بالبشر والدعارة والرشى والعمولات غير الشرعية، إلى جانب نشاطات خطيرة أخرى. ويجري كل ذلك عبر سلسلة معقدة من التعاملات التجارية والمصرفية. وقد أثبتت قضية المشاهير الخليجيين، أن غسل الأموال عابر للحدود وقد يتخطى طاقة السلطات المالية والأمنية المحلية على تعقبها.
ويبدو أن توقيت اتهام المشاهير، يطرح أسئلة من نوع: هل نقصت أم زادت عمليات غسل الأموال أثناء أزمة كورونا؟ وماذا تفعل السلطات السعودية للتقدم في مكافحة غسل الأموال؟ وكيف تتأكد المملكة من نظافة الأموال الأجنبية المتدفقة إليها للاستثمار؟
 
غسل الأموال أثناء الجائحة
يتحدث أمين عام لجنة الإعلام والتوعية المصرفية بالبنوك السعودية، طلعت حافظ، في تصريحات خاصة إلى «المجلة» عن مدى تأثر عمليات غسل الأموال بجائحة كورونا مع إغلاق الاقتصاد السعودي والعالمي بقوله: «بكل تأكيد كان هناك تأثر، بسبب تعطيل معظم الدول على مستوى العالم للحركة والأنشطة التجارية، بما في ذلك الاقتصاد، والذي بدوره تسبب ربما في إبطاء حركة غسل الأموال عن السابق».
وحول إذا ما كان يمكن الجزم بتوقف تلك العمليات التي تتحدى الأنظمة والقوانين، يوضح: «لا أعتقد أنها قد انتهت تمامًا أثناء الجائحة، لأن غاسلي الأموال وممارسي الأعمال غير المشروعة، في رأيي، يستغلون مثل أزمة كورونا وغيرها، للبحث عن مصادر أموال غير مشروعة ومن ثم غسل المتحصلات منها».
 ويعطي حافظ مثالاً حول كيفية استغلال غاسلي الأموال لأزمة كورونا، بقوله: «كثيرًا ما تم التحذير أثناء الجائحة عن أشخاص وشركات وهمية ومزيفة تروج وتسوق لبيع مستلزمات طبية بما في ذلك علاجات ولقاحات لمعالجة فيروس كورونا المستجد».
إن ذلك المثال يوضح كيف أن العقول المدبرة لعمليات غسل الأموال، تتمتع بقدرات ومرونة هائلة على التكيف مع مختلف الظروف الاقتصادية، إلى جانب استغلال ذعر الناس من الجائحة وتسويق الوهم. وبذلك، يمكن الاستنتاج أن استغلال عامل الخداع النفسي، قد يدخل بطريقة أو بأخرى في تسهيل عمليات غسل الأموال من خلال تسويق منتجات، يبدو ظاهرها امتدادًا لعمل تجاري مشروع، يخدم الناس ويطمئن قلوبهم، لكنه في باطنه عمل يخرق القوانين ويلتف عليها لإخفاء مصادر الأموال وتصعيب معرفة مصادرها على السلطات.
 
حجم الأموال المغسولة
وعند سؤال حافظ عن حجم الأموال المغسولة، فإنه يوضح أنه «على المستوى العالمي، تقدر حجم الأموال المغسولة سنويًا بين 2.5 في المائة إلى 5 في المائة من قيمة الناتج المحلي العالمي».
ويذكر موقع مكتب الأمم المتحدة المعني بالجريمة والمخدرات أن حجم غسل الأموال يصل إلى ما بين 800 مليار إلى تريليوني دولار سنوياً. ولكن هل من الممكن تحديد حجم غسل الأموال في السعودية بدقة؟ حتماً لا، فالأمر يعتمد على التقديرات، فتلك العمليات قائمة على السرية المطلقة واستغلال حرية السوق وتدفق الاستثمار ورؤوس الأموال.
 
تداخل الإرهاب وغسل الأموال
من المعروف أن غاسلي الأموال يمتلكون إمكانات كبيرة وقدرات مالية هائلة وعلاقات عابرة للحدود، مما يجعل السلطات السعودية في حالة متواصلة من اليقظة والحذر. وتعمل السلطات المالية والأمنية والنقدية على تضييق الخناق على غاسلي الأموال ونشاطاتهم من خلال تصنيف الأشخاص والكيانات وتحديث قوائم الدول والأنشطة المشبوهة.
ولا تكاد تمر فترة طويلة حتى تصدر الأجهزة السعودية المعنية، قوائم حظر أو عقوبات، كان آخرها في يوليو (تموز) الماضي، عندما أصدر جهاز أمن الدولة تصنيفاً لستة كيانات مالية وجمعيات وشخصيات في سورية وتركيا، متورطة بتمويل تنظيم داعش الإرهابي. صحيح أن هذا التصنيف يقصد به مكافحة الإرهاب، لكن الجانب الآخر منه هو محاربة غسل الأموال، التي تمول ذلك الإرهاب. وسبق تلك القائمة، تصنيفات لكيانات مالية وعسكرية وإرهابية مختلفة، وكان الجانب المالي حاضرًا دائمًا؛ لأن الأموال المغسولة هي شريان حياة الإرهاب.
كما أصدرت مؤسسة النقد العربي السعودي عام 2016 قائمة تضم 25 نشاطاً، صنفت على أنها تندرج تحت أشكال متنوعة من جرائم غسل الأموال، ومنها التقليد والغش والتستر التجاري، إلى جانب التهرب الضريبي والجمركي والرشوة والابتزاز وحجز الرهائن، والتجارة الجنسية وإعداد مساكن الدعارة واعتياد ممارسة الفجور والاستغلال الجنسي، وكذلك السطو المسلح والنهب وتمويل الإرهاب.
ويتضح جليًا من قائمة النشاطات الإجرامية، أن غسل الأموال يرتبط بشكل وثيق مع كل ما يهز أمن المجتمع الاقتصادي والمالي والسياسي والجنائي، ويهدد استقرار نظام الحكم ويضعف موارد الدولة المادية والمعنوية.
 
جهات متعددة وتعاون إقليمي ودولي  
تتنوع الجهات السعودية، الرسمية والخاصة، المنخرطة في جهود مكافحة غسل الأموال، ويبقى تماسك النظام المصرفي والمالي وتضافر جهوده مع الجهات المعنية، البوابة الأولى للاشتباه بأية أموال قذرة والإبلاغ عنها. ويعتبر تعدد الجهات المعنية بالأمر من جميع قطاعات الدولة تقريبًا، مؤشرًا على الجدية والصرامة في الوفاء بمتطلبات مكافحة غسل الأموال.
يعدد أمين عام لجنة الإعلام والتوعية المصرفية بالبنوك السعودية تلك الجهات بقوله إنها تشمل: «الإدارة العامة للتحريات المالية التابعة لجهاز رئاسة أمن الدولة، ومؤسسة النقد العربي السعودي (البنك المركزي السعودي)، وهيئة السوق المالية، ووزارة التجارة، وحرس الحدود، والهيئة العامة للجمارك، وغيرها من الأجهزة الحكومية».
وتواصل اللجنة الدائمة لمكافحة غسل الأموال، التي شكلت عام 1999، بقرار من مجلس الوزراء السعودي، مهامها في تطبيق التوصيات الأربعين لمكافحة عمليات غسل الأموال وفقًا للأنظمة المعمول بها في المملكة. ويقع مقر اللجنة، التي تتألف من ممثلين عن معظم الوزارات والهيئات والمؤسسات الحكومية وغيرها، في الرياض ويرأسها محافظ مؤسسة النقد.
أما بالنسبة للتعاون مع الدول الخليجية وغيرها، فإنه يشرح أطره بالقول: «قوانين وأنظمة دول المجلس في مكافحة غسل الأموال، تشكل الأطر القانونية والأداة الجوهرية وعامل التمكين في مكافحة غسل الأموال، لا سيما وأن مجموعة العمل المالي (FATF) تعير ذلك الجانب درجة عالية من الأهمية عند قياس كفاءة ما يسمى الالتزام الفني (Technical Compliance )، فيما تشكل الأطر القانونية أهمية بالغة في إعداد الدراسات المقارنة أو المتخصصة للباحث الأكاديمي، وتترادف الأهمية عند المعنيين في تطبيق تلك الأطر».
ومن الأمثلة على ذلك التعاون، هو ما حصل مؤخرًا مع نجوم مواقع التواصل عندما أبلغت السلطات الكويتية المعنية بالأمر نظيرتها السعودية للتحقيق ومتابعة المشاهير السعوديين الذين قد يكونون منخرطين في عمليات غسل أموال.  
 
التأكد من نظافة الاستثمارات
تتوجه رؤية المملكة 2030 إلى تعزيز تدفق رؤوس الأموال الأجنبية، وهنا يزيد عبء السلطات المالية في التأكد من نظافة تلك الأموال. فالمملكة تريد استثمارات أجنبية أكثر وتشجعها بقوة ولا تريد إعاقتها بإجراءات بيروقراطية، لكنها تريد أموالًا حقيقية ونظيفة.
 
يفصّل طلعت حافظ هذه المسألة بالقول: «المملكة العربية السعودية تتمتع بنظام مالي حر، ولكنه رغم ذلك متين وقوي جدًا في مجال مكافحة عمليات غسل الأموال.  فعلى سبيل المثال لا الحصر، النظام المصرفي السعودي، يعد من بين أحد أقوى الأنظمة المصرفية على مستوى العالم في مكافحة غسل الأموال من خلال وجود أقسام وإدارات متخصصة (إدارات الالتزام)، التي من بين مهامها الرئيسية، التأكد من سلامة العمليات المصرفية التي تتم من خلال المصرف، سواء الواردة أو الصادرة، بالإضافة إلى الكشف عن حالات الاشتباه في غسل الأموال وإحالتها للجهات الأمنية المختصة للنظر فيها».
ويضيف: «مؤسسة النقد العربي السعودي وهيئة سوق المال ووزارة التجارة والإدارة العامة للتحريات المالية والجمارك السعودية وغيرها من الجهات الحكومية في المملكة، لها دور عظيم جدًا في مكافحة غسل الأموال، كل فيما يخصه ويقع ضمن مجال عمله الإشرافي والرقابي».
 




طلعت حافظ،  أمين عام لجنة الإعلام والتوعية المصرفية بالبنوك السعودية



تاريخ طويل من المكافحة
ويؤكد الخبير المصرفي والمالي طلعت حافظ على فعاليّة جهود المملكة ومنهجيتها في مكافحة غسل الأموال، بقوله: «للمملكة العربية السعودية جهود عظيمة ومسيرة طويلة جدًا وحافلة بالنجاحات والإنجازات الرائعة في مجال مكافحة عمليات غسل الأموال، فهي من أوائل الدول على مستوى العالم التي التزمت بكشف ومنع عائدات جريمة غسل الأموال ومعاقبة مرتكبيها من خلال نظام مكافحة غسل الأموال ولائحته التنفيذية».
ومنذ أكثر من 30 عامًا، حافظت المملكة على إرث طويل في مكافحة تلك الظاهرة، ويسرد حافظ تاريخًا من الاتفاقيات والالتزامات الدولية وتطبيقها محلياً، قائلا: «سبق أن أقرت ووقعت المملكة على اتفاقيات على المستوى الدولي، حيث وقعت على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية في فيينا في عام 1988، واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد في عام 2004، وأقرت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة في باليرمو في عام 2000».
ويضيف: «هذه الجهود العظيمة للمملكة في مكافحة هذه الآفة الاقتصادية الخبيثة، أهلتها للانضمام إلى مجموعة العمل المالي (FATF) في شهر يونيو (حزيران) من العام الماضي، حيث تعتبر أول دولة عربية والدولة السابعة والثلاثين على مستوى العالم، التي تحصل على هذه العضوية. وتعتبر المملكة عضوًا مؤسسًا لمجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (مينا فاتف) التي أنشئت في عام 2004».
 
تعريف مبسط
يعرف غسل الأموال أو تبييض الأموال أو تنظيفها على أنه إخفاء مصدر وحقيقة الأموال الناتجة عن طريق كسب غير مشروع عبر القيام بتصديرها أو إيداعها في مصارف دول أخرى أو نقل إيداعها أو توظيفها أو استثمارها في أنشطة مشروعة؛ للإفلات من الضبط والمصادرة وإظهارها كما لو أنها مستمدة من مصادر مشروعة، ومن ثم التعامل معها على أنها جزء طبيعي من الدورة الاقتصادية والمالية.