السلاح جوهر الأزمة.. و«المسكنات» الفرنسية لن تنفع

* أنصاف الثورات ليست بثورات، والمسكنات لم تعد تنفع، فإن تم دعم لبنان بأزمته المالية اليوم مقابل بعض الإصلاحات، فإن ما يحتاج حقاً للإصلاح هو مفهوم الدولة والشرعية، وأي قرار قد لا يعجب حزب الله غدا ستكون نتيجته غزوة جديدة ودمار للعاصمة ولكل من يعارضه.

ما إن تنتهي أزمة سياسية في لبنان حتى تطل أخرى برأسها، بعض هذه الأزمات ذات بعد داخلي، بينما بعضها الآخر انعكاس لأزمات إقليمية، ولكن المؤكد أن لبنان لا يكاد تمر عليه أشهر قليلة إلا ويمر بأزمة تهدد سلمه الأهلي.
وإن كانت الخلافات السياسية في أي بلد يتمتع ولو بهامش ضيق من الديمقراطية أمراً بديهياً بل وصحياً، لكن ما هو غير طبيعي هو أن يكون في هذا البلد ميليشيا مسلحة مصنفة عند معظم دول العالم كمنظمة إرهابية، وأن يعلو سلاحها فوق رؤوس الجميع ليحسم الخلاف وينهيه تحت وطأة التهديد بحرب أو اغتيال.
أنهى اتفاق الدوحة إحدى أخطر الأزمات التي عصفت بلبنان بعد انتهاء الحرب الأهلية، يومها اتخذت حكومة الرئيس فؤاد السنيورة قرارين؛ الأول إقالة قائد جهاز أمن المطار العميد وفيق شقير. والثاني: تفكيك شبكة اتصالات غير شرعية تابعة لحزب الله. 
لم تكد الحكومة تنهي جلستها وتعلن قراراتها إلا وأطل أمين عام حزب الله يومها على الشاشات وقال كلمته الشهيرة «السلاح للدفاع عن السلاح»،ما اعتبر أمر عمليات، لتبدأ ميليشيا حزبه بترهيب اللبنانيين وتحتل العاصمة بيروت وتغزو الجبل بقوة السلاح. 
دعت الدوحة الأفرقاء اللبنانيين إلى حوار على أراضيها، ففتح المطار الذي كانت ميليشيا حزب الله قد حاصرته، وذهب الجميع إلى الدوحة، تحاوروا واتفقوا على إنهاء الفراغ الرئاسي وتشكيل حكومة وحدة وطنية، وأعطي حزب الله الثلث المعطل مقابل التعهد بعدم استعمال سلاحه مجددا في الداخل.
وإن كان اتفاق الدوحة قد أنهى الفراغ وسحب مقاتلي حزب الله من بيروت والجبل، إلا أنه أيضا أنهى الحياة السياسية في لبنان. فلم تعد نتيجة الانتخابات ذات تأثير ما دام حزب الله ومن معه يصرون على أن يكون لهم الثلث المعطل، ولم يعد بإمكان أي حكومة اتخاذ أي قرار لا يوافق عليه الحزب أو أقله لا يعترض عليه.
عوامل عدة ساهمت بتسليم لبنان لسلطة حزب الله، وإن كان بعض هذه العوامل خارجية، إلا أن العامل الداخلي كان أكثر تأثيرا في كثير من الأحيان.
بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، انتفض اللبنانيون ضد الوجود السوري وطالبوا بإقالة قادة الأجهزة الأمنية في تلك المرحلة... لم تكتمل انتفاضة الاستقلال الثاني كما سميت، يومها رفض البطريرك الراحل مارنصرالله بطرس صفير إسقاط رئيس الجمهورية آنذاك إميل لحود في الشارع. فكان لحود النافذة التي تركت مفتوحة لتعود وتدخل منها القوى المتحالفة مع الأسد وإيران إلى مفاصل السلطة، ناهيك عن خلافات مصلحية برزت عند بعض قوى الرابع عشر من آذار.
ولطالما كرر اللبنانيون أخطاءهم بحق لبنان وبحق أنفسهم، فبعد «حراك 17 تشرين»واستقالة رئيس الحكومة سعد الحريري، هدأت الثورة، وأعطيت حكومة الرئيس حسان دياب فرصة، وبالحقيقة كانت هذه فرصة مجددا لحزب الله ومن معه لإحكام قبضتهم على جميع مفاصل الدولة، إن من خلال التعيينات أو من خلال قرارات اتخذت بكل وزارة على حدة، ومجددا رسمت بكركي والبطريرك بشارة الراعي خطا أحمر حول مقام رئيس الجمهورية، وأيده بذلك مختلف الأحزاب المسيحية وأولهم القوات اللبنانية ورئيسها سمير جعجع، الصديق اللدود لفخامة الرئيس.
اليوم أيضا وبعد الفاجعة التي ضربت بيروت بانفجار المرفأ، وراح ضحيتها مئات الشهداء وآلاف الجرحى، وزيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بيروت وما تبعها من استقالة حكومة الرئيس حسان دياب، بقي الخط الأحمر حول مقام الرئاسة، وإن كان البعض يطالب باستقالة رئيس الجمهورية لأنه يتحمل ولو معنويا مسؤولية ما حصل، وهو الذي أكد أنه كان على علم بوجود شحنة نترات الأمونيوم والخطر الذي تشكله، إلا أن بكركي والقوات اللبنانية، ثاني أكبر كتلة مسيحية في البرلمان، لا زالا يرفضان المس بموقع الرئاسة.
كل ذلك يأتي مع حديث عن مبادرة فرنسية لتخفيف ضغط العقوبات عن حزب الله، ومحاولة ماكرون إقناع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتخفيف هذه العقوبات لأنها تؤثر سلبا على لبنان ككل، حتى إن أنباء ترددت أن ماكرون طالب بتشكيل حكومة وحدة وطنية، وبغض النظر عن دقة الأمر، وإن كان المطلوب لمساعدة لبنان ماليا واقتصاديا هو حكومة وحدة وطنية لا يسيطر عليها حزب الله أو حكومة حيادية، يبقى جوهر المشكلة هو ذاته. نصف ثورة ونصف تغيير، فمقام الرئاسة الأولى لا يزال خطاً أحمر أيا يكن الرئيس، ونافذة مفتوحة لحزب الله ليتسلل منها ويسيطر على القرار حتى وإن كان خارج الحكومة.
قد يكون تعبير «كلن يعني كلن»الذي نادى به «حراك 17 تشرين»جذابا، إلا أن الواقع والتجربة يقولان إن بإمكان الشعب التخلص من أي كان من الطبقة السياسية، من خلال صناديق الاقتراع، ما عدا حزب الله، والذي مجددا سيبقى هو وسلاحه وارتباطه العضوي بإيران مسيطرا على لبنان ككل وليس فقط على السلطة.
أنصاف الثورات ليست بثورات، والمسكنات لم تعد تنفع، فإن تم دعم لبنان بأزمته المالية اليوم مقابل بعض الإصلاحات، فإن ما يحتاج حقاً للإصلاح هو مفهوم الدولة والشرعية، وأي قرار قد لا يعجب حزب الله غدا ستكون نتيجته غزوة جديدة ودمار للعاصمة ولكل من يعارضه.