المصريون في إسرائيل بين الحنين للوطن ومعركة لم الشمل

تزوجوا من فلسطينيات 48 ووصلوا إلى تل أبيب بعد موافقة السلطات المصرية
* لا يوجد أي مصدر يمكنه رصد العدد الدقيق للمصريين في إسرائيل، ولكن من دون أدنى شك تجاوز أفراد هذه العائلات المصرية 50 ألفاً
* 12ألف مصري غالبيتهم من الرجال المتزوجين من نساء فلسطينيات داخل الخط الأخضر، والبعض، وهن أقلية من المصريات، متزوجات من رجال من فلسطينيي 48
* المصريون في إسرائيل يطالبون بتطبيق إتفاقية السلام التي تم التوقيع عليها عام 1979
*هناك العشرات من الشباب ممن سحبت جنسيتهم المصرية لأنهم حصلوا على هوية إسرائيلية بموجب انتمائهم لوالدتهم من سكان فلسطينيي 48
*منذ التسعينات، حيث كانت السياحة بين مصر وإسرائيل، في ذروتها وفق اتفاقية السلام بين البلدين، برزت ظاهرة التعارف بين شباب مصريين وشابات من فلسطينيي 48
* عميد الجالية المصرية (البرنس) سليمان: كنت أعتقد أن من يصل إلى تل أبيب يمكن ان يطلق عليه الرصاص ويقتل، وأنه سيعيش بين يهود ولن يستطيع الاندماج معهم... لكني أكتشفت أن الحقيقة مختلفة
* مصريون: على مدار سنوات طويلة كنا نغادر إلى مصر لتجديد جواز السفر ولكن اختلف الوضع، مع تصاعد الانتفاضة الفلسطينية، حتى بات مستقبلنا مرتبطا بالقضية الفلسطينية
 

 
 تل أبيب: «مصر وطن يعيش فينا»، تلك المقولة التي نطق بها البابا شنودة، باتت تتكرر لدى كثير من المصريين الذين يعيشون في إسرائيل، بغالبيتهم الساحقة ممن تزوجوا من فلسطينيات 48 ووصلوا إلى تل أبيب بعد موافقة السلطات المصرية.
12 ألف مصري، غالبيتهم من الرجال المتزوجين من نساء فلسطينيات داخل الخط الأخضر، والبعض، وهن أقلية من المصريات، متزوجات من رجال من فلسطينيي 48، الشريحة الفلسطينية التي رفضت الهجرة عام 1948 وقررت البقاء،وتعتبر اليوم أقلية قومية داخل إسرائيل تصارع من أجل الوجود والبقاء والحفاظ على ما تبقى لها من أرض.
منذ التسعينات، حيث كانت السياحة بين مصر وإسرائيل، في ذروتها وفق اتفاقية السلام بين البلدين، برزت ظاهرة التعارف بين شباب مصريين وشابات من فلسطينيي 48، ممن وصلن إلى مصر في رحلات سياحية وتعرفن هناك على شباب مصريين، والعكس أيضا، في حالات قليلة، شباب فلسطينيون تعرفوا على شابات من مصر، وقرر الطرفان الزواج.
عقد الزواج هذا، الذي كان في البداية مصدر سعادة لهم تحول إلى كابوس ومعاناة حقيقية حرمتهم من أبسط الحقوق في زيارة الوطن ولقاء العائلة أو حتى إلقاء النظرة الأخيرة عند فقدان قريب من الدرجة الأولى.
لا يوجد أي مصدر يمكنه رصد العدد الدقيق للمصريين في إسرائيل، ولكن من دون أدنى شك تجاوز أفراد هذه العائلات المصرية الخمسين ألفا، يعيشون في مختلف بلدات فلسطينيي 48 من أقصى شمال إسرائيل وحتى أقصى جنوبها ويتعايشون مع المجتمع العربي كجزء منه، على عكس اللبنانيين الذين وصلوا إلى إسرائيل عام 2000، عند الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان ورفض فلسطينيو 48 إسكانهم في بلداتهم ودمجهم في مجتمعهم.

 




العائلات المصرية في تل أبيب


 
التصريح المصري عقبة أمام لم شمل العائلة
منذ بداية ظاهرة الزواج بين الطرفين لم تكن هناك أية مشكلة مع السلطات المصرية في الزواج المتبادل هذا، وكما أكد لنا أكثر من شخص تحدثنا إليه فقد كان الرد المصري على سؤالهم إذا كانوا سيواجهون مشاكل بعد الزواج من شابة من فلسطينيي 48 هو التشجيع. وأحد هؤلاء هو أبو بسام والمعروف بين المصريين في إسرائيل، باسم البرنس سليمان. كان من أوائل الذين تزوجوا من فلسطينية قبل ثلاثين عاما، وكان الزواج في حينه قليلا أو حتى نادرا. قال في حديثه مع «المجلة»، إنه كان حريصا ومهتما بمعرفة موقف السلطات المصرية، وقبل أن يتخذ قرار الزواج توجه إلى مسؤولين مصريين للاستفسار إذا كانت هناك مشكلة من كونه مصريا سيتزوج من شابة من فلسطينيي 48. 
ويضيف: «كان الرد ليس فقط لا مشكلة، بل كان مشجعا ومرحبا به. عندها فقط قررت الزواج واتفقنا على البقاء في مصر. بقينا تسع سنوات أنجبنا خلالها ثلاثة أبناء وبعد عدة زيارات للقاء عائلة زوجتي في بلدة عبلين (شمال إسرائيل)، مسقط رأسها، قررنا العيش هنا».
 قبل هذا القرار لم تكن لدى أبو بسام الصورة الحقيقية عن فلسطينيي 48. كغيره من الكثيرين في العالم العربي، لم يكن يدري أنهم يعيشون في مدن وقرى عربية ولديهم مجتمع عربي خاص بهم... «بصراحة تخوفت جدا من الوصول إلى هنا والعيش في إسرائيل. كنت أعتقد أن من يصل إلى هنا يمكن ان يطلق عليه الرصاص ويقتل، وأنه سيعيش بين يهود ولا يستطيع الاندماج معهم، وبأن العرب يتعلمون في مدارس غير عربية، وأن أبناءهم لا يتحدثون العربية. بصراحة لم أكن أعلم أن الحقيقة مختلفة ولا طبيعة الحياة التي يعيشها العرب هنا، يعني اللي تسموهم عرب48».
على مدار سنوات طويلة كان يسافر أبو بسام إلى مصر لتجديد جواز سفره «حتى اتخذت السلطات المصرية إجراءات احترازية وأمنية تصعب من عودتنا إلى عائلاتنا هنا. وفرضت الحصول على تصريح رسمي، بموجبه فقط يمكن لكل مصري متزوج من امراة فلسطينية السفر إلى إسرائيل»، كما حدثنا.
وقال: «فجأة اختلف الوضع، وكان ذلك مع تصاعد الانتفاضة الفلسطينية، حتى بات مستقبلنا مرتبطا بالقضية الفلسطينية. لقد بات التعامل مع أي مصري متزوج من فلسطينية من هنا كما لو أنه عميل والبقاء مع عائلته في إسرائيل بمثابة خيانة لمصر وللقضية الفلسطينية. وأصبحنا ننتظر مدة شهر للحصول على التصريح وأحيانا عدة أشهر حتى إن البعض وصل إلى مصر وبقي هناك أشهرًا طويلة أو حتى أكثر من سنة، وبهذه الحالة بتنا نتردد في السفر إلى مصر لتجديد جواز السفر والحصول على تصريح خشية البقاء هناك لفترة طويلة، بعيدا عن أبنائنا وعائلاتنا بسبب تلك الإجراءات الاحترازية».
منذ ذلك الوقت بدأ الخطر على تفكك العائلة، يقول أبو بسام... «وكان أمامنا خياران؛ فإما المغامرة والسفر إلى مصر لتجديد جواز السفر ومن ثم الحصول على تصريح لمغادرة مصر والعودة إلى العائلة في إسرائيل،فمن الممكن الحصول عليه في أقل من شهر ويمكن ننتظر عدة أشهر وبعضنا انتظر أكثر من سنة ولم يحصل عليه. أما الخيار الثاني، وهذا ما يفعله معظمنا اليوم، فهو البقاء هنا وعدم السفر إلى مصر، ولكن هذا يعني دفع ثمن باهظ يحرمنا من أبسط حقوقنا بعدم الحصول على جواز سفر ومنعنا من مغادرة مكان سكننا، ونحن بغالبيتنا الساحقة نرفض التنازل عن جنسيتنا المصرية. نحن مصريون وسنبقى مصريين».

 




مصر وطن يعيش فينا.. مقولة طق بها البابا شنودة، باتت تتكرر لدى كثير من المصريين الذين يعيشون في إسرائيل


 
الاستنجاد بالرئيس السيسي
الإجراءات التي اتخذتها السلطات المصرية بحق هؤلاء المصريين بعد الانتفاضة الفلسطسنية لا تنسجم مع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، الذي تم التوقيع عليه عام 1979. وبحسب البند الثالث من المادة الثالثة يحق لهؤلاء ولأبنائهم دخول مصر من دون أية عقبات أو ممنوعات. وبحسب هذا البند: «يتفق الطرفان على أن العلاقات الطبيعية التي ستقام بينهما ستتضمن الاعتراف الكامل والعلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية وإنهاء المقاطعة الاقتصادية والحواجز ذات الطابع التمييزي المفروضة ضد حرية انتقال الأفراد والسلع. كما يتعهد كل طرف بأن يكفل تمتع مواطني الطرف الآخر الخاضعين لاختصاصه القضائي بكافة الضمانات القانونية... ويوضح البروتوكول الملحق بهذه المعاهدة (الملحق الثالث) الطريقة التي يتعهد الطرفان بمقتضاها بالتوصل إلى إقامة هذه العلاقات، وذلك بالتوازي مع تنفيذ الأحكام الأخرى لهذه المعاهدة».
وحرصا منهم على الحفاظ بالجنسية المصرية وتذليل العقبات أمام الحصول على تصريح رسمي لمغادرة مصر، توجه ممثلون عن الجالية المصرية في إسرائيل بمناشدة الى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي،يدعونه فيها إلى اتخاذ خطوات تضمن لهم الحد الأدنى من حقوقهم وحرية العيش وضمان لم شمل عائلاتهم.
وأوضح المصريون في رسالتهم أن الإجراءات التي اتخذت غير دستورية ولا يوجد لها أي سند قانوني «لم يقم أبناؤنا بأي جرم جنائي لكي تسحب منهم الجنسية المصرية، كل ذنبهم أنهم أبناء لمواطنين مصريين مقيمين في إسرائيل، ويحملون الجنسية الإسرائيلية بالتبعية لأمهاتهم لتسيير أمورهم الحياتية، فلماذا لا يعاملون بالمثل كأولاد المصريين في المهجر».
 
مطالب أساسية وتجاهل مصري
وقد تقدم المصريون بعدة مطالب للرئيس السيسي، وهي مطالب في مضمونها أساسية، ووفق الاتفاقية بين مصر وإسرائيل ويفترض تنفيذها. وأبرز هذه المطالب، السماح لأبناء العائلات المصرية بالسفر إلى مصر والدراسة هناك وعدم سحب الجنسية المصرية منهم. ومطلب آخر هو إلغاء تصريح السفر للمقيمين في إسرائيل، ممن يحملون إقامة دائمة والسماح لهم بالحصول على كل ما هو مطلوب من مستندات من السفارة المصرية في إسرائيل من دون اضطرارنا إلى السفر لمصر.
ولم يتردد المصريون في المطالبة بوضع حد لتشويه صورتهم بالإعلام في مصر، والأهم بالنسبة لهم صورة أبنائهم، حيث قالوا: «نطلب عدم وصفنا بالعمالة والصهيونية والذم بنا، لدرجة أن بعض العائلات المصرية تبرأت من ذويها ورفضت التعرف أو حتى استقبال أبنائهم». 
وفي السياق، يقول لنا شكري الشاذلي، أحد المتوجهين في الرسالة إلى الرئيس المصري: «توجهنا إلى السلطات المصرية بكل الوسائل والطرق، لكن عملية التحريض الكبيرة علينا من قبل أحزاب وشخصيات، ممن يرفضون بشكل مطلق اتفاقية السلام مع إسرائيل وبالتالي التطبيع، حولتنا، نحن وأفراد عائلاتنا، إلى ضحية إنسانية. قضيتنا ليست سياسية قضيتنا إنسانية. ».
ويواصل الشاذلي حديثه بمرارة «نحن ضائعون بين المؤسسات أنفسها وبين الرافضين لاتفاقية السلام وما يسمونه التطبيع. نحن أيضا ضحايا هذه الصراعات. نحن حتى الآن، وعلى الرغم من المضايقات والتعامل الفظ وغير القانوني معنا وتوجيه شتى الاتهامات لنا، نرفض التنازل عن جنسيتنا المصرية ونصر على حق أبنائنا بزيارة أهلنا والتواصل المباشر معهم، وليس فقط التواصل عبر الهاتف والسكايب. منذ عشرين عاما ونحن نخوض معركة ولا مجيب لنا».

 




مناسبة عائلية لأسرة مصرية مقيمة في تل أبيب


 
سحب الجنسية
ابنة أبو بسام سحبت منها الجنسية.وهناك العشرات من الشباب ممن يدعون سحب جنسيتهم المصرية منهم لأنهم حصلوا على هوية إسرائيلية بموجب انتمائهم لوالدتهم من سكان فلسطينيي 48؛ وهؤلاء ممنوعون من زيارة مصر. هذا القرار يفرض عليهم، في لحظة بلوغهم 18 عاما والحصول على بطاقة الهوية الإسرائيلية. معظم الأبناء ينهون في إسرائيل التعليم الجامعي ويعملون في مختلف مجالات العمل: طب، هندسة، كمبيوتر أعمال مكتبية وغيرها. النسبة العالية بينهم يلتحقون بالجامعات ويتحدثون اللكنة الفلسطينية تماما، ويتم التعامل معهم كجزء لا يتجزأ منهم من دون أي تمييز.
وعدم حصولهم على جنسية مصرية أو حقهم في زيارة مصر يولد جيلا مختلفا عن بقية أترابه، سواء من فلسطينيي 48، أو المصريين، أو حتى الجاليات المصرية في مختلف أنحاء العالم.
وفي المحاكم المصرية هناك بعض الدعاوى التي لم تحسم بعد، بينها ابنة أبو بسام التي أسقطت عنها الجنسية المصرية. وقد علمت بعدم إمكانية منحها الجنسية الإسرائيلية بعد وصولها إلى مصر للحصول عليها.
يقول أحد المصريين: «ثقتي بالسلطات المصرية كبيرة. معركتنا عادلة والمسؤولون يعلمون الحقيقة. علينا اتخاذ خطوات تساعدهم في التصدي للأصوات التي تتغلغل بين الجمهور المصري لرفضنا تحت شعار (لا للتطبيع).