إلى أين سيصل حال لبنان؟

على مقهى في الشارع العربي

قال الشاب وكأنه يحادث نفسه:
- ترى إلى أين سيصل حال لبنان؟
وقال العجوز وهو يزفر أنفاس الشيشة:
- سيبقى الحال كما هو، وكما كان منذ أكثر من عشر سنوات 
وقال الشاب كأنه يتنهد :
- أي حال؟
وقال العجوز من خلال سحب دخان الشيشة:
- حال منطقة قتال عالمية حرة.. أي يستطيع أي مخلوق أن يقتل من يشاء على أرض لبنان.. وقد يكون فرد من أبناء القطب الجنوبي على عداء مع مواطن  له ولا يستطيع أن يقتله، ولكن هذا المواطن إذا سافر إلى لبنان يستطيع زميله أن يلحق به ويقتله هناك.. فلبنان يضمن حرية القتل كما تضمن سويسرا حرية الرأي..
وقال الشاب كأنه يستغيث بالأمل:
- إن حال لبنان وصل إلى قمته بالاحتلال الإسرائيلي، وقد وضعت أميركا اتفاقية جلاء قد ترفع الحالة من القمة وتهبط بها إلى سهول الحلول السلمية..
وقال العجوز في لهجة تأكيد الواقع:
- إن إسرائيل لم تحتل لبنان بالغزو العسكري، فقد كانت داخل لبنان قبل الغزو بسنوات.. وكانت تقتل أعداءها علنا داخل بيروت.. وتقوم بعمليات ضرب في كل أنحاء لبنان.. وشكلت قوات سعد حداد على الحدود الجنوبية.. ولم يكن الغزو إلا عملية استكمال للوجود الإسرائيلي حتى تضرب ضربة أكبر.. فإذا عادت اليوم وسحبت قوات الاحتلال فلن يؤثر ذلك على وجودها داخل لبنان.. 
وقال الشاب وهو يتنهد كأنه يقاوم اليأس:
- إن الوجود السياسي أرحم من الوجود العسكري..

وقال العجوز وهو يرفع مبسم الشيشة:
- الوجود العسكري ليس وجود إسرائيل وحدها.. هناك الوجود السوري.. والوجود الفلسطيني.. وليبيا لها قوات قتالية.. وإيران.. وعشرات الدول لها قوات عسكرية داخل لبنان تشكلها من أفراد الشعب اللبناني نفسه.. ولذلك لن تلغي إسرائيل وجودها العسكري حتى لا تترك الحرية للقوات العسكرية الأخرى.. حرية احتلال لبنان..
وقال الشاب كأنه تذكر وهو يبتسم ابتسامة ساخرة:
-  لقد كانت لمصر أيضا قوات داخل لبنان أيام زمان.. 
وقال العجوز مقاطعا:
- وقد انمحى هذا الوجود المصري بعد هزيمة عام 67.. 
وقال الشاب في حيرة:
- تقصد أن الحال لن يتغير في لبنان إلا بعد وقوع هزيمة.. ولكن من يهزم من.. إن لبنان وحده لا يستطيع أن يهزم سوريا ولا القوات الفلسطينية ولا إسرائيل طبعا ولا أي قوة غريبة تقوم في داخله.. وربما لهذا يعتمد الحكم الشرعي اعتمادا كاملا على أميركا.. إما أن تصل إلى حلول سياسية كما وصلت مع إسرائيل وإما أن تصل إلى تحقيق هزيمة القوات الأخرى..
وقال العجوز كأنه يلقي درسا:
- إن الخط الذي تسير عليه أميركا وتصر عليه هو نفس الخط الذي وصلت به إلى تحقيق اتفاقية كامب ديفيد.. واتفاقية الجلاء التي عقدتها مع إسرائيل رغم أنها لا تنص على الاعتراف رسميا بإسرائيل، مراعاة لعلاقة لبنان بباقي الدول العربية، إلا أنها تضم نفس نصوص اتفاقية كامب ديفيد.. حتى إنها تنص على تكوين لجنة لبنانية- إسرائيلية لوضع أسس التعامل التجاري والسياحي بين البلدين، رغم أنها لا تنص على تطبيع العلاقات كما تنص اتفاقية كامب ديفيد.. ولكن.. ما هو الأساس الذي بنيت عليه اتفاقية كامب ديفيد.. الأساس هو طرد السوفيات من مصر.. والسوفيات لم يطردوا من لبنان.. 
وقال الشاب معترضاً:
- السوفيات ليس لهم وجود رسمي في لبنان.. 
وقال العجوز في هدوء:
- إن وجودهم هو الوجود السوري والفلسطيني، لذلك وضعت أميركا اتفاقية الجلاء مع إسرائيل، وهي تعلم أنها لن تنفذ لأن الوجود السوري والفلسطيني في لبنان مستمر.. أي الوجود السوفياتي.. حتى قيل إن ريغان لم يسع إلى هذه الاتفاقية إلا لإزالة الخلافات بينه وبين إسرائيل ويكسب أصوات اليهود الأميركان في الانتخابات الأميركية المقبلة.
وقال الشاب وصوته ينبض باليأس:
- وكيف تصل إلى تنفيذ اتفاقية جلاء إسرائيل حتى لو اعترفنا بأنها صورة من اتفاقية كامب ديفيد.. إنها اتفاقية ومهما كان فيها من نواقص إلا أنها تحقق استقرار الحكم الشرعي اللبناني.. إنها خطوة.. إلى أن نصل إلى خطوة تالية.
وقال العجوز في حسرة:
- إن اتفاقية كامب ديفيد عقدت لأن الحكم الشرعي في مصر كانت له قوة الانفراد بالرأي.. أما الحكم الشرعي في لبنان فليست له قوة الانفراد بالرأي.. وعندما اجتمع مجلس الوزراء اللبناني ووافق على الاتفاقية، اجتمع في اليوم التالي ممثلون عن طوائف لبنانية قوية في دمشق وقرروا رفض الاتفاقية.. اجتمعوا في دمشق.. وكأنه اجتماع لإعلان الحرب على الحكم الشرعي..
وقال العجوز من خلال يأسه:
- كان بين من اجتمعوا في دمشق قادة الطائفة الدرزية اللبنانية.. وأنا تائه مع مواقف الطوائف اللبنانية.. فدروز إسرائيل منضمون إلى الدولة الإسرائيلية ويحاربون معها، في حين أن دروز لبنان يحاربون الكتائب المتحالفة مع إسرائيل.. لماذا لا يكونون طائفة واحدة لهم موقف واحد؟
وقال العجوز وهو يهز رأسه كأنه أمر طبيعي:
- إن الطوائف في لبنان تخضع لمؤثرات ومصالح متعددة لا يمكن أن تستقر.. ولا يمكن أن يفهمها ويطمئن إليها أي فكر سياسي مهما بلغت عبقريته..
وقال الشاب في زهق:
- أي إن المصير المنتظر هو بداية الحرب التي ينتظرها كثير من المحللين..
وقال العجوز بسرعة:
- ولكنها لن تكون حربا بين إسرائيل وسوريا.. أي بين أميركا والسوفيات.. ولكنه سيكون قتالا عنيفا داخل لبنان بين كل القوات الغريبة عنه والقوات المحلية.. سيعود الحال كما كان قبل استقرار الغزو الإسرائيلي..
وقال الشاب وهو يلتقط أنفاسه كأنه يستريح:
- لا أمل لما نسميه الحكم الشرعي اللبناني.. 
وقال العجوز وهو يعود ويرفع مبسم الشيشة إلى شفتيه:
- هناك احتمالان قد يحققان هدوء لبنان باعتباره الأمل الوحيد.. إما أن تقف بجانب الحكم الشرعي قوة ضخمة كأن تكون قوة أميركا حتى تحقق له السيطرة الكاملة على كل لبنان حيث يستطيع أن يحقق وحدة قوية يفرض بها رأيه.. وإما أن تتحقق هذه الوحدة عن طريق الدعوة الوطنية الشعبية كما يدعو الآن رئيس الدولة اللبنانية.. وحدة تضع إيمانها باستقلال الشخصية اللبنانية فوق كل الشعارات التي تطلق من حولها.. وهي الوحدة التي حققت وجود الدولة اللبنانية عندما اتحد الشعب زمان ضد الاحتلال الفرنسي والاحتلال السوري أيضا.. 
وقال الشاب قبل أن يقوم مبتعداً:
- وهل يمكن أن يتحقق أحد هذين الاحتمالين؟
وقال العجوز من خلال الدخان:
- لقد عودتنا طبيعة الواقع اللبناني أن نفكر دون أن ننتظر حتى نصدم بخيبة فكرنا..

10 يونيو (حزيران) 1983