«المجلة» تغوص في رحلة اللبناني الكادحة بحثاً عن الدواء

حملات إنسانية لإنقاذ المرضى تقودها نساء
طوابير الدواء في لبنان قبل انقطاعه خلال الشهرين الأخيرين (رويترز)
حقائب الدواء «الراكب» الأول على متن الرحلات إلى لبنان (خاص «المجلة»)

عندما تبحث في محرّك البحث، غوغل، على دول تعاني من شحّ في الدواء، يظهر لبنان على الصفحات الأولى. حقيقة، يمكنك أن تلحظ صعوبات مثلاً في هذا البلد أو ذاك، إنّما تكون مرفقة باستراتيجيات داعمة لسد الثغرات. لكن، فجأة أصبح لبنان مرادفاً لكلمات في إطار: أزمة دواء، تدهور القطاع الصحي، أزمة مستشفيات، مرضى السرطان بلا دواء....
تكاد تعتقد أنّك تشاهد فيلم رعب. هل حقاً يموت المرضى على الطرقات؟ هل حقاً تتعرّض طفلة تعاني من الربو لخطر فقدان حياتها بسبب عدم القدرة على الحصول على أكسجين؟ أحقاً يذهب المريض من مدينة لمدينه تبعد آلاف الكيلومترات للحصول على حبة؟ حبة واحدة فقط من الدواء؟ لا هذا ليس فيلماً، هذه حقيقة تحصل فقط في لبنان.
تشير مصادر طبية إلى أنّ حوالي 10 في المائة من مرضى السرطان لم يتمكنوا من الحصول على أدويتهم على مدى الشهرين الماضيين؛ أمّا علاجات باقي الأمراض، فليست بأفضل حال؛ إذ تحوّلت منصات حسابات التواصل اللبنانية إلى وسيلة للبحث عن الدواء، في دولة تتنازع أحزابها فيما بينها لتتفوّق في إذلال المواطن، مهددة أمنه الصحي والمعيشي.

سكرية لـ«المجلة»: الأدوية تدخل لبنان دون رقابة... ولقاح كورونا في البازار السياسي

استعراضات ومداهمات... والدواء مفقود


تطغى على لبنان كارتيلات تحتكر الدواء لتجار مدعومين من الأحزاب الحاكمة، بوقت يحتضر المواطن حرفياً بسبب عدم تمكنه من الحصول على العلاج. استعراضات مسرحية عن مداهمات موثقة، تنال الضجة الإعلامية الكافية، والتصفيق الحار، والنتيجة: الدواء لا زال مفقوداً. لن نبحث فيما آلت إليه المداهمات الأخيرة، إذ لا تغني ولا تسمن من جوع. ففي خضم كل التحريّات والمداهمات، النتيجة واحدة؛ والسؤال لا يزال قائماً: لماذا اللبناني لا يزال محروماً من الدواء حتى الساعة؟
يكفي تصفح حسابات اللبنانيين على مواقع التواصل كي ترى الحملات المتتالية المطالبة بالدواء. وفيما تظهر الجمعيات المموّلة من خارج لبنان أنّها تشارك في دعم المريض، يرى الكثير من اللبنانيين، أنّ حال الكثير من الجمعيات، كحال المنظومة الحاكمة، تفتقد إلى الثقة بإداراتها المحليّة.
في المقابل، وبظلّ الفوضى التي تمرّ بها البلاد، قد تقوم بعض الحسابات باستغلال الظروف، لإطلاق حملات بهدف تحصيل الأموال من المتبرعين، لمآرب تجارية ربحية.
من هنا، قامت «المجلة» ببحث دقيق حول بعض الصفحات المنتشرة على مواقع التواصل، بهدف عرض بعض النماذج الموثوقة التي تعمل على تأمين الدواء والعلاج للمريض بشكل تطوّعي هدفها فقط إيصال الدواء.

لبنانيون يروون لـ «المجلة» قصصهم المرّة بسبب الانهيار المالي

شهادات من مرضى يعانون من فقدان الدواء


ليلى أم لطفل (8 سنوات) يعاني من مرض سرطان الدم، وهو اليوم في مراحل علاجه الأخيرة. ليلى تعيش خوفاً اليوم هي وعائلتها لعدم قدرتهم على تأمين العلاج لطفلهم، رغم التقدم الذي أحرزه العلاج مؤخراً. بعد أن انتظروا بفارغ الصبر الوصول إلى هذه المرحلة، اليوم يشعرون بالقلق من إمكانية عدم الحصول على الدواء. فبعض المستشفيات تطالب المريض بتأمين العلاج بنفسه.
سلطان (28 عاماً) يعاني من داء السرطان في العظم، لا يستطيع السير بشكل طبيعي، ويحتاج لعملية جراحية تمكّنه من المشي من جديد. رغم أنه يملك تكاليف العملية، إلاّ أنّ انهيار القطاع الصحي يحول دون إجرائها. كان من المتوقع أن يجري العملية في شهر أغسطس (آب) الماضي، لكن المستشفى أجّل ذلك بسبب الأزمة، وعدم توفّر المعدات. قال سلطان لـ«المجلة»: «تلقيت خبر تأجيل عمليتي كالصاعقة؛ إذ كما تلاحظون أستخدم العكازات للمشي، وهذا أمر متعب. كنت أتوق لإجراء العملية التي آمل من خلالها المشي بشكل طبيعي، وكل يوم أستفيق على خبر مؤلم، عن عدم قدرة المستشفى إجراء العملية لعدم توفر المعدات«».
جواد ( 50 عاماً) يعمل كسائق أجرة وهو يعاني من مرضي القلب والسكري، ويحتاج للدواء بشكل يومي. يروي لـ«المجلة» كيف أصابه عارض صحي قوي عند سماعه بفقدان الدواء... «تملكني الرعب، فكيف أحمي نفسي من الجلطات وغيرها والدواء مفقود؟ لا أقارب لي في الخارج كي يؤمنوا لي الدواء، ومنظر الصيدليات المقفلة وحده يزرع الرعب في النفوس. هذه الأزمة سببت لي عارضاً صحياً استوجب دخولي للمستشفى. وتابع، أيعقل أن تتركنا دولتنا نموت ببطء كل يوم؟ متسائلاً، لما لا يشكّلون حكومة؟ ماذا ينتظرون؟».

حملات إنسانية تقوم بدور الحكومة لإنقاذ المرضى


في ظلّ سوداوية الأزمات، ظهر دور عظيم الأثر لناشطات لبنانيات، خصصن وقتهن متطوّعات، عبر التنسيق بين اللبنانيين المقيمين في البلاد والمغتربين، كما الشعوب العربية المجاورة، لتأمين الدواء، حيث أصبحت الأولوية لحقائب الدواء كـ«راكب» أساسي بين المسافرين إلى بيروت.
بعد سنوات من العمل الجاد في الشأن الإنساني، بهدف دعم العائلات المحتاجة، اليوم يسخّرن كل عملهن لدعم المريض وتأمين الدواء. الحملات المختارة هنا لا تنتمي نساؤها لأي مرجعية حزبية، بل يعملن وحدهن، دون أي خلفية سياسية، مع مراعاة دقيقة لناحية تسليم وتوثيق الفواتير، لتأمين العلاج والطبابة للمرضى، على اختلاف طوائفهم وتوجههم.
«المجلة» أجرت حديثاً مع الناشطات اللبنانيات، لتوضيح طريقة عملهن، والإشارة إلى العقبات التي تعترضهنّ.

جويس أبو زيدان ( كفّك بكفّي)

الناشطة الاجتماعية جويس أبو زيدان
الناشطة الاجتماعية جويس أبو زيدان


انطلقت فكرة المساعدات الإنسانية وحملة «كفّك بكفي» عقب انطلاق الثورة في لبنان بتاريخ 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019. حينها لجأت عائلة محتاجة إلى الناشطة جويس أبو زيدان، طالبة تأمين دواء لأحد أفرادها المحروم منه لمدة شهرين. وتروي أبو زيدان لـ«المجلة» كيف انطلقت الحملة إعلامياً بعدها، لتتابع في مساعدة المحتاجين».
كما تلفت إلى أنّ المواطن كان في السابق يطلب منها تسديد إيجار منزله، وتسديد أقساط المدرسة، أو تزويده بمعونات غذائية، حتى أصبح اليوم يطلب الدواء فقط، بل يقطع مسافات طويلة للحصول على حبة واحدة، إذ أصبحت هذه الحبة حلماً بسبب سيطرة السوق السوداء. وتشير إلى أنّ أكثر الأدوية المنقطعة هي دواء لكهرباء الرأس، وأدوية القلب والضغط المتوفرين فقط بالسوق السوداء.
وتصل إلى حملة «كفّك بكفّي» مساعدات خارجية من اللبنانيين المغتربين في دول الخليج، كما المواطنين من الخليج والأردن والعراق ومصر، بل كافة الدول العربية، وعلى رأسها السعودية. كما يصلها من مواطنين من أميركا وفرنسا وإيطاليا، من خلال اللبنانيين الذين يخبرونهم عن نشاط الحملة.
هنا، تلفت أبو زيدان إلى الدعم الكبير الذي تتلقاه من الدول العربية، وخاصة السعودية؛ وتقول: «إنّ الدول العربية لم تترك لبنان يوماً، بل هي دائماً إلى جانبنا بكل الأزمات. إنّما ألفت نظر الجميع للتأكد من مصداقية الأشخاص قبل التبرّع، حتى يتم توجيه العون للجهات الصحيحة».
وبحسب أبو زيدان المنخرطة في متابعة أداء الحملات والجمعيات في لبنان، «كثير من الجمعيات تسلّمت أموالاً طائلة بهدف تأمين دواء، ومعونات، خاصة بعد انفجار بيروت، لكن للأسف لم يتم إيصالها للجهات المعنية أو الناس المحتاجة».
تجول أبو زيدان على الصيدليات وتبحث بنفسها عن الدواء، وتعتمد على حسابها الشخصي على «تويتر» للاستفادة من علاقات المغردين مع شركات الدواء؛ وتطلق اليوم نداءً لتأمين أدوية السرطان، نظرا لغلاء سعرها، حيث يتطلب شراؤها بالعملة الصعبة، ما يترك مئات المرضى دون علاج.
وفي ما يتعلّق بدعم الأحزاب الحاكمة، تقول أبو زيدان: «أرفض قطعاً تقبّل أي مساعدة من المسؤولين، فهم السبب وراء ما يحصل لنا». وتتابع، كافة المسؤولين عرضوا المساعدة، شرط أن أذكر ذلك في الإعلام، لكني رفضت التعاون معهم.

اللبنانية آية هاشم هربت بحثاً عن الأمان فقُتلت في الغربة

سعاد إلياس غريوس (حملة نحن واحد)

الناشطة الاجتماعية سعاد إلياس غريوس


انطلقت حملة «نحن واحد» عام 2015 قبل انفجار الأزمة الاقتصادية في لبنان، وكانت تهدف إلى تنظيم نشاطات بيئية واجتماعية. إنّما بعد استفحال أزمة الدواء، تحوّل مسارها إلى تأمينه، خاصة لمن هم من أصحاب الطبقة الفقيرة.
في حديث لـ«المجلة»، تشير مطلقة الحملة سعاد إلياس غريوس إلى أنّ «الدواء فعلياً غير مفقود في لبنان، إنّما يتم احتكاره من قبل المافيات والتجار». وتتابع: «في لبنان، كل الأمور تمرّ بالواسطة، حتى داخل شركات الدواء. لذا، نعمل كناشطين لتأمينه عبر التنسيق مع الصيدليات من داخل وخارج لبنان». وتوضح أنّها تستغل حسابها على «تويتر» لنشر رسالتها والإعلان عن الحالات التي تتطلب مساعدات، لا سيّما تلك المتعلقة بالعلاج.
وتعتمد الحملة على متبرعين من خارج لبنان أيضاً، خاصة من سويسرا وفرنسا حيث يتم إرسال الأموال والدواء (13 نوع دواء من سويسرا، و18 نوعا من فرنسا). أمّا أكثر الأدوية المطلوبة، فهي للأمراض المزمنة، كالضغط والسكري، وأمراض الكبد، وأمراض المعدة، وأدوية للعظم، وعلاج كورونا.
وعن آلية عمل الحملة، تشرح غريوس أنّها تطلب وصفة طبية من المريض، ثم تكثف اتصالاتها إلى الخارج لتأمين الدواء، أو تحرص بنفسها على التجوّل بين الصيدليات، كما تزور منازل المرضى أو المحتاجين لتقديم المساعدة قدر المستطاع.
عن غياب الدور الفاعل لوزارة الشؤون الاجتماعية، تقول: وزارة الشؤون لا تقوم بدورها منذ سنوات، خاصة لناحية الاهتمام بذوي الاحتياجات الخاصة، حيث لا تؤمن الأدوات الطبية اللازمة لهم ولا العلاج. وتتابع: «ندعو الوزير للقيام بمسح شامل، لفرز من هم بحاجة لبطاقة ومن يستفيدون بسبب الوساطة السياسية دون أن يكونوا بحاجة لدعم فعلي».
تعتبر غريوس أنّ أزمة الدواء ظهرت منذ سنتين والمؤشر كان غلاء الأسعار بشكل تصاعدي، كما ترى أنّ المواطن اللبناني شريك في فقدانه، بسبب تخزينه هو أيضاً للدواء، إذ تحوّلت بيوت اللبنانيين إلى صيدليات خوفاً من الحاجة فيما بعد.
عن كيفية تعامل المستشفيات، تلفت غريوس إلى معاناة كبيرة في هذا الخصوص، وتقول: «حتى بعد الحصول على موافقة إدخال المريض من قبل وزارة الصحة، وبعد أن نؤمن المبلغ من المتبرعين، تطالبنا بعض المستشفيات بتأمين الدواء، متذرعة بالأزمة».
وفيما يتعلّق بمصدر التبرعات، تشير مطلقة حملة «نحن واحد» إلى الدور الفعّال للمواطنين من الدول العربية، «حيث تصلنا حقائب دواء من السعودية والإمارات وكافة البلدان العربية، مشكورين». كما تلفت إلى متبرعين سعوديين دائمين، تعتبرهم من أكبر الداعمين.

بولينا خيرو (وجعك وجعي)

الناشطة الاجتماعية بولينا خيرو


حملة «وجعك وجعي» أطلقتها مغتربة تنتمي إلى نقابة محترفي الموسيقى والغناء في لبنان، وهي مريضة سرطان تتلقى علاجها في فرنسا. تقول بولينا خيرو لـ«المجلة» إنّها باشرت حملتها منذ انطلاق ثورة تشرين 2019، ثم نشطت عقب انفجار مرفأ بيروت، إلى حين انفجار أزمة الدواء.
تشتري خيرو الدواء من فرنسا حيث تقيم، وهي لا تؤمن كل الدواء مجانيً، بل تغطي فقط تكاليف من لا يستطيع تسديد ثمنه، نظراً لازدياد الطلب بشكل كثيف. وتعتمد كذلك على دعم اللبنانيين المغتربين، كما ترسل الدواء مع المسافرين إلى لبنان، حيث تم السماح لها بإرسال حقيبة سعتها 23 كيلو محمّلة بالدواء.
وفيما كانت تعترضها عقبات عند إرسال الدواء العام الماضي، تم تسهيل آلية النقل من قبل الأمن العام اللبناني بعد التأكد من أنّ الهدف إنساني وليس ربحياً.

ابن الناشطة بولينا خيرو محملاً بحقائب دواء إلى لبنان (خاص «المجلة»)


اليوم، يتصل المسافرون من باريس بخيرو كي تزوّدهم بحقائب الدواء لإرسالها إلى لبنان. هذا، وتعمد مطلقة حملة «وجعك وجعي» إلى إرسال أولادها بشكل دوري إلى لبنان بهدف توصيل الدواء. وتتلقى التبرعات من مغتربين، كما يساعدها معارف وأصدقاء يعملون في شركات أدوية، على تأمين الدواء على السعر المدعوم سابقاً أو مجاناً. ثتني خيرو على دور المغتربين، والحملات الداعمة للمرضى في لبنان، «فيما الدولة تكذب والجمعيات تستعرض، لا أكثر ولا أقل».
ماذا لو لم تنشط حملات تأمين الدواء في لبنان؟ ماذا يفعل المريض الذي لا تربطه علاقة بأيّ من الأحزاب الحاكمة؟ في وقت تشهر بعض الأحزاب سيفها الحاد أمام الأشقاء العرب، عازلة لبنان عن محيطه، تروي الناشطات ويروي لبنانيون عن الدعم الأكبر الآتي من الدول المجاورة... إلى أين تأخذ السلطة الحاكمة لبنان بعدائها في ظل فساد دام عقودا، أردى الوطن قتيلاً على ساحة صراع، كان يمكن تجنبه لبناء وطن يصون كرامة المواطن»!

لبنان: تواصل الاحتجاجات بسبب أزمة المحروقات وتردي الأوضاع المعيشية

مقالات ذات صلة