الانفصال عن الواقع

عندما انتهت حرب لبنان الأهلية عام 1991 كان لكل فريق حقيقته الخاصة به وقناعاته التي تتعلق بأسباب اندلاع الحرب ومن ثم نتائجها. لم يتجرأ المجتمع اللبناني على فتح هذا النقاش- عن الحرب- لسبب أو لآخر، ما منع مصالحة اللبنانيين مع ماضيهم والاعتراف بالأخطاء التي دفعتهم إلى الاقتتال فيما بينهم تمهيدا للإصلاح وبالتالي تفادي تكرارها في المستقبل. وفي نظرة سريعة على تاريخ هذا البلد أو قبلا جبل لبنان نواة لبنان، نرى أن كل الأحداث القاسية التي مرّت عليه لم تخضع للمراجعة، لذا عندما اندلعت معارك الموارنة مع الدروز في الجبل في ثمانينات القرن الماضي سارع المتحاربون لربطها بمجازر 1860 بين الفريقين تحديدا، وعندما قام منذ سنتين صهر رئيس الجمهورية بزيارة استفزازية لتلك المناطق ذكّر الحاضرين بتلك الأحداث الأليمة. طبعا في كلتا الحالتين كان ومازال المطلوب دائما «شدّ العصب الطائفي»خاصة وأن الجراح لم تندمل ولم تحصل أية مراجعة أو محاكمة للمسؤولين عن كل هذه الأحداث. ومن شأن ترك الجراح مفتوحة أن تبقي الغرائز متقدة، وإذا الحروب والاقتتال الأهلي قاب قوسين.

إقرأ لنفس الكاتب:

الأوهام اللبنانية

وفي جنوب أفريقيا واجه نيلسون مانديلا تقريبا نفس الحالة مع الانتصار على نظام الأبرتهايد. كان يمكن طبعا أن يبقي الجراح مفتوحة بين البيض والسود وأن يدخل أبناء البلد في موجة عنف انتقامية لا يمكن السيطرة عليها. ولكنه اختار بحكمة أن ينشئ محاكم يواجه فيها الجلاد ضحاياه ويعترف بأعماله الإجرامية على الملأ من دون أن يصار إلى إصدار أحكام جزائية. طبعا تلك المواجهة بين الضحية والجلاد لم تحيي الذين قتلوا أو قضوا تحت التعذيب ولكنها أعطت للضحية صوتا ووجها وعزاء في أن تضحياتهم قضت على هذا النظام.

وفي جنوب أفريقيا ساهمت تلك المحاكم بتشكيل قناعة لدى الجميع بأن نظام الابرتهايد مجرم وعنصري وأن من عمل بوحيه جزار وأن من قضى بيديه ضحية.

هذا لا ينطبق على لبنان قطعا وأكاد أقول على المنطقة برمتها. فالأحداث تطوى من دون مراجعة وبالتالي تبقى الوقائع أسيرة الأساطير والمشاعر والغرائز بعيدا عن التحليل بعقل علمي.

لبنان: جنون الدولار يعيد المحتجين إلى الشوارع

فلا عجب أن يقرأ أحدنا تحليلا يشير إلى انتصار «ثورة 17 تشرين»أو يستمع إلى حديث بعض «الثوار»عن إنجازات هذا الحادث الذي سيكمل عامه الثاني، ولكن عندما نقارن هذه الأقوال والكلمات مع الواقع نرى هوّة كبيرة بين الاثنين. فإسقاط الطبقة السياسية (كلن يعني كلن شعار أساسي لهذه «الثورة»)لم يحصل، وتغيير النظام الطائفي أيضا أحد مطالب «الثوار»لم يحدث، والانتفاضة على النظام المصرفي لم تكتمل فبقي حاكم مصرف لبنان في مركزه و لم تعد أموال المودعين. 

ومع هذا هناك من يصّر على مبدأ انتصار «الثورة»بمجرد فوز لائحة معارضة للسلطة في انتخابات نقابة المهندسين. لا ضرر طبعا في تلك الانتفاضة الرمزية ولكنها وبحكم التجربة ستبقى محدودة. ففي فترات المواجهات النقابية والطلابية قبل فترة- بعيد اغتيال الرئيس رفيق الحريري- بين فريقي 14 آذار المطالب بالحرية والسيادة والاستقلال، و8 آذار المؤمن بثلاثية «جيش شعب مقاومة»ظلت النتائج التي كانت تأتي بمعظمها لصالح 14 آذار، من دون تأثير على التشكيلات البرلمانية التي أنتجتها الانتخابات النيابية منذ العام 2005. لم تتحقق السيادة ولم يحصل البلد على استقلاله وضاق فيه فضاء الحرية. لا بل العكس حصل.

هذا النهج في الاستنتاج والتحليل الذي ينفصل عن الواقع دفع برجل دين- كميل مبارك- إلى أن يقول في أحد البرامج السياسية مؤخرا إن السنة لا يملكون هوية. طبعا ما عناه رجل الدين المسيحي هو أن هوية الطائفة السنية هي دينية وليست وطنية. كلام مبارك يعطي الانطباع بأن هوية لبنان مثلا ليست طائفية وأن الموارنة يحملون فيه لواء العلمانية وهو غير صحيح أبدا، لأنهم بادروا منذ سنتين تقريبا إلى منع فرقة «مشروع ليلة»الموسيقية من إقامة حفلة غنائية في جبيل (منطقة ذات غالبة مسيحية) بحجة أنهم «يجدّفون»وأن أغانيهم «تنتهك القيم الدينية».

استنتاج أو تحليل مبارك يدفع إلى الاعتقاد بأن مسلمي البلد مختلفون عن موارنته في طريقة العيش أو التفكير أو العادات أو التقاليد، حيث إن هذا الأمر ليس صحيحا أبدا. الفارق الوحيد الذي يزعج مبارك هو أن مسلمي لبنان أكثرية.

 على كل الأحوال في الحالتين هناك إنكار للواقع، بأن لبنان  يتمتع بنظام مذهبي وطائفي له جمهور واسع ومستفيد في بعض الحالات. وأن التغيير الذي ينشده البعض غير ممكن في ظل هذه التركيبة الاجتماعية. وأن لبنان يمكن أن يستمر على هذا النحو طويلا، ويتنقل من فتنة إلى أخرى ومن تعطيل إلى آخر ومن موجة هجرة إلى أخرى ما دام هناك من سيدافع عن النظام الطائفي، ويؤكد أنه أفضل الممكن، ولكنه في نفس الوقت سيرفض أن يرى أنه سبب فيما عليه البلد اليوم.  

فإذا ما طابقناه مع الواقع نرى أنه أنتج بشكل دائم حروبا أهلية ومجازر ومآسي وهجرات وقتلا وتدميرا واغتيالات، وإفلاسا وفسادا... إلخ.

هناك أكثرية ترفض أن ترى الواقع وهذا شيء لا يجدي معه أي علاج.

  إقرأ  لنفس الكاتب:

رفيق الحريري ونصر الله